الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لأَكْثَرِهِم﴾ : الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بالوِجْدان كقولك : ما وَجَدْت له مالاً أي : ما صادَفْتُ له مالاً ولا لَقِيْتُه. الثاني : أن يكون حالاً من " عهد " لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها نُصِب على الحال، والأصل : وما وَجَدْنا عهداً لأكثرهم، وهذا ما لم يذكر أبو البقاء غيره. وعلى هذين الوجهين ف " وجد " متعدية لواحد وهو " مِنْ عهد "، و " مِنْ " مزيدة فيه لوجودِ الشرطين. الثالث : أنه في محل نصب مفعولاً ثانياً لوجد إذ هي بمعنى عِلْمية، والمفعول هو " من عهد ". وقد يترجَّح هذا بأن " وَجَد " الثانيةَ عِلْمية لا وِجْدانية بمعنى الإِصابة، وسيأتي دليل ذلك. فإذا تقرَّر هذا فينبغي أن تكونَ الأولى كذلك مطابقةً للكلام ومناسبة له. ومَنْ يرجِّح الأولَ يقول : إنَّ الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر.
قوله :﴿وَإِن وَجَدْنَآ﴾ " إنْ " هذه هي المخففة، وليست هنا عاملةٌ لمباشرتها الفعلَ فزال اختصاصُها المقتضي لإِعمالها. وقال الزمخشري :" وإنَّ الشأنَ والحديثَ وَجَدْنا " فظاهرُ هذه العبارة أنها مُعْمَلة، وأنَّ اسمَها ضميرُ الأمر والشأن. وقد صَرَّح أبو البقاء هنا بأنها معملةٌ وأن اسمَها محذوفٌ، إلا أنه لم يقدِّره ضميرَ الحديث بل غيرَه. فقال :" واسمُها محذوفٌ أي : إنَّا وجدنا " وهذا مذهب النحويين أعني اعتقادَ إعمالِ المخففِ من هذه الحروفِ في " أنْ " المفتوحة على الصحيح وفي " كأنْ " التشبيهية، وأما " إنْ " المخففةُ المكسورةُ فلا. وقد تقدَّم ذلك بأوضح من هذا.
ووجد هنا متعديةٌ لاثنين أولهما " أكثرهم "، والثاني " لَفاسقين ". قال الزمخشري :" والوجودُ بمعنى العلم من قولك :" وَجَدْتُ زيداً ذا الحفاظ " بدليل دخول " إنْ " المخففة، واللامُ الفارقة، ولا يَسُوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلةِ عليهما " يعني أنها مختصةٌ بالابتداء أو بالأفعالِ الناسخة له، وهذا مذهب الجمهور، وقد تقدَّم لك خلافٌ عن الأخفش : أنه يُجَوِّز على غيرها وقَدَّمْتُ دليله على ذلك. واللام فارقةٌ. وقيل : هي عوضٌ من التشديد. قال مكي :" ولَزِمَتِ اللامُ في خبرها عوضاً من التشديد ". والمحذوفُ الأول. وتقدَّم/ الكلامُ أيضاً أن بعض الكوفيين يجعلون " إنْ " نافيةً، واللامَ بمعنى " إلا " في قوله تعالى :﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة: ١٤٣].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى