اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما طلب فرعون من موسى إقَامَةِ البَيِّنَةِ على صحَّةِ دعواه، بين الله تعالى أنَّ معجزته كانت قلب العصا ثعباناً، وإظهار اليد البيضاء.
" فإذَا " فجائية وقد تقدَّم أنَّ فيها مذاهبَ ثلاثةً :
ظرف مكان، أو زمان، أو حرف.
وقال ابن عطية(١) هنا :" وإذَا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرِّد(٢) من حيثُ كانت خبراً عن جثة، والصَّحيحُ الذي عليه النَّاسُ أنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ في كلِّ مَوْضِعٍ ".
قال شهابُ الدِّين(٣) :" والمشهورُ عند النَّاسِ قول المبردِ، وهو مذهب سيبويه(٤) ".
وأمَّا كونها زماناً فهو مَذْهَبُ الرِّيَاشي، وعُزِيَ لسيبويه أيضاً.
وقوله :" من حيث كانت خبراً عن جثَّة " ليست هي هنا خبراً عن جُثَّة، بل الخبرُ عن " هي " لفظ " ثُعْبَان " لا لَفْظ " إذا ".
والثُّعْبَانُ هو ذَكَرُ الحيَّاتِ العظيم، واشتقاقُه من ثَعَبْتُ المكان أي : فجَّرْتُه بالمَاءِ، شُبِّه في انسيابه بانْسِيَابِ الماء، يقال : ثَعَبْتُ الماءَ فجَّرْتُه فانْثَعَبَ. ومنه مَثْعَبُ المطر، وفي الحديث :" جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجَرْحُهُ يَثْعَبُ دماً " (٥)
فإن قيل إنَّهُ وصفها هنا بكونها ثُعْبَاناً، وهو العظيمُ الهائل الخلق، وفي موضع آخر يقول :﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ [النمل: ١٠]، والجان من الحيَّاتِ الخفيف الضّئيل الخلق، فكيف الجَمْعُ بين هاتين الصّفتين ؟
وقد أجاب الزَّمَخْشَرِيُّ في غير هذا المكان بجوابين :
أحدهما : أنَّهُ يجمع لها بين الشيئين : أي كبر الجُثَّةِ كالثُّعْبَانِ وبين خفَّةِ الحركة، وسرعة المشي كالجَان.
والثاني : أنَّها في ابتداء أمرها تكون كالجَان، ثمَّ يتعاظمُ ويتزايد خلقها إلى أن تصير ثُعْبَاناً.
وفي وصف الثُّعبانِ بكونه مُبيناً وجوه(٦) :
أحدها : أنُّهُ تمييز ذلك عمَّا جاءت به السَّحرَة من التمويه الذي يلتبسُ على من لا يعرف سببه.
وثانيها : أنَّهم شاهدوا كونه حيَّةً، فلم يشتبه الأمر عليهم فيه.
وثالثها : أنَّ الثَّعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي لكاذب.
" فإذَا " فجائية وقد تقدَّم أنَّ فيها مذاهبَ ثلاثةً :
ظرف مكان، أو زمان، أو حرف.
وقال ابن عطية(١) هنا :" وإذَا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرِّد(٢) من حيثُ كانت خبراً عن جثة، والصَّحيحُ الذي عليه النَّاسُ أنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ في كلِّ مَوْضِعٍ ".
قال شهابُ الدِّين(٣) :" والمشهورُ عند النَّاسِ قول المبردِ، وهو مذهب سيبويه(٤) ".
وأمَّا كونها زماناً فهو مَذْهَبُ الرِّيَاشي، وعُزِيَ لسيبويه أيضاً.
وقوله :" من حيث كانت خبراً عن جثَّة " ليست هي هنا خبراً عن جُثَّة، بل الخبرُ عن " هي " لفظ " ثُعْبَان " لا لَفْظ " إذا ".
والثُّعْبَانُ هو ذَكَرُ الحيَّاتِ العظيم، واشتقاقُه من ثَعَبْتُ المكان أي : فجَّرْتُه بالمَاءِ، شُبِّه في انسيابه بانْسِيَابِ الماء، يقال : ثَعَبْتُ الماءَ فجَّرْتُه فانْثَعَبَ. ومنه مَثْعَبُ المطر، وفي الحديث :" جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجَرْحُهُ يَثْعَبُ دماً " (٥)
فصل
فإن قيل إنَّهُ وصفها هنا بكونها ثُعْبَاناً، وهو العظيمُ الهائل الخلق، وفي موضع آخر يقول :﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ [النمل: ١٠]، والجان من الحيَّاتِ الخفيف الضّئيل الخلق، فكيف الجَمْعُ بين هاتين الصّفتين ؟
وقد أجاب الزَّمَخْشَرِيُّ في غير هذا المكان بجوابين :
أحدهما : أنَّهُ يجمع لها بين الشيئين : أي كبر الجُثَّةِ كالثُّعْبَانِ وبين خفَّةِ الحركة، وسرعة المشي كالجَان.
والثاني : أنَّها في ابتداء أمرها تكون كالجَان، ثمَّ يتعاظمُ ويتزايد خلقها إلى أن تصير ثُعْبَاناً.
وفي وصف الثُّعبانِ بكونه مُبيناً وجوه(٦) :
أحدها : أنُّهُ تمييز ذلك عمَّا جاءت به السَّحرَة من التمويه الذي يلتبسُ على من لا يعرف سببه.
وثانيها : أنَّهم شاهدوا كونه حيَّةً، فلم يشتبه الأمر عليهم فيه.
وثالثها : أنَّ الثَّعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي لكاذب.
١ ينظر : المحرر الوجيز ٢/٤٣٦..
٢ ينظر: المقتضب ٣/٥٦..
٣ ينظر: الدر المصون ٣/٣١٦..
٤ ينظر: الكتاب ٢/٣١١..
٥ أخرجه مالك (٢/٤٤٣-٤٤٤) كتاب الجهاد: باب الترغيب في الجهاد ١ والبخاري ٦/٢٠ كتاب الجهاد والسير: باب تمني الشهادة حديث (٢٧٩٧) ومسلم (٣/١٤٩٥-١٤٩٦) كتاب الإمارة: باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله حديث (١٠٣/١٨٧٦) من حديث أبي هريرة..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٥٩..
٢ ينظر: المقتضب ٣/٥٦..
٣ ينظر: الدر المصون ٣/٣١٦..
٤ ينظر: الكتاب ٢/٣١١..
٥ أخرجه مالك (٢/٤٤٣-٤٤٤) كتاب الجهاد: باب الترغيب في الجهاد ١ والبخاري ٦/٢٠ كتاب الجهاد والسير: باب تمني الشهادة حديث (٢٧٩٧) ومسلم (٣/١٤٩٥-١٤٩٦) كتاب الإمارة: باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله حديث (١٠٣/١٨٧٦) من حديث أبي هريرة..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٥٩..