روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي أخرجها من جيبه لقوله تعالى :﴿ادخل يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢] أو من تحت أبطه لقوله سبحانه :﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] والجمع بينهما ممكن في زمان واحد، وكانت اليد اليمنى كما صرح به في بعض الآثار ﴿فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين﴾ أي بيضاء بياضاً نورانياً خارجاً عن العادة يجتمع عليه النظار. فقد روى أنه أضاء له ما بين السماء السماء والأرض، وجاء في رواية أنه أرى فرعون يده، وقال عليه السلام : ما هذه ؟ فقال : يدك. ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعه صوف ونزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعه شعاع الشمس، وقيل : المعنى بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها لأنه عليه السلام كان آدم شديد الأدمة، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال :" قال رسول الله ﷺ وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط " وعنى عليه الصلاة والسلام بالزنط جنساً من السودان والهنود، ونص البعض على أن ذلك البياض إنما كان في الكف وإطلاق اليد عليها حقيقة.
وفي «القاموس » الكيد الكف أو من أطراف الأصابع إلى الكف، وأصلها يدي بدليل جمعها على أيدي ولم ترد اليد عند الإضافة لما تقرر في محله، وجاء في كلامهم يد بالتشديد وهو لغة فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها مقنادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم. وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق. وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس. وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى.
وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب ؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا ﷺ والتفاخر بها أشهر من ( قفا نبك ) فلهذا كانت معجزته القرآن، وإنما كانت معجزة كل نبي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى