اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لمَّا أمر الخَلْقَ بمتابَعَةِ الأنْبِيَاءِ، ثمَّ خوَّفَهُم بعذاب الدُّنْيَا وهو قوله :﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾، وبعذاب الآخِرَةِ وهو السُّؤالُ ووزن الأعمال رغبهم في دعوة الأنْبِيَاء في هذه الآية بطريق آخر، وهو أنَّ ذكر كثرة نعم اللَّه عليهم، وكثرة النِّعيم توجبُ الطَّاعة فقال :﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرض﴾ أي : جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً ومكَّنَّاكم، والمُرَادُ بالتَّمكين التمليك والقوة والقدرة.
قوله " وجَعَلْنَا لكم " يجوز أن يكون " جَعَلَ " بمعنى " خَلَقَ " فيتعدَّى لواحد فيتعلَّقُ الجاران ب " الجعلé، أو بمحذوف على أنهما حالان من " معايش "، لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين. ويجوز أن تكون التصبيرية فتتعدى لاثنين أولهما :" " مَعَايِشَ "، والثَّأني أحد الجارين، والآخر : إمَّا حال متعلِّقَةٌ بمحذوف، وإمَّا متعلِّقةٌ بنفس الجعل وهو الظَّاهِرُ.
و " مَعَايِش " جمع مَعيشَةٍ، وفيها ثلاثةُ مذاهبٍ :
مذهبُ سيبويه(١) والخَلِيل : أنَّ وزنها مَفْعُلَةٍ بِضَمِّ العين، أو مَفْعِلة بكسرها، فعلى الأوَّلِ جُعلتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، ونُقِلَتْ إلى فَاءِ الكَلِمَةِ. وقياس قول الأخْفَشِ(٢) في هذا النَّحوِ أن يغيِّر الحرفَ لا الحَرَكَة، ف " معيشة " عنده شَاذَّةٌ إذْ كان يَنْبَغِي أَن يقال فيها مَعُوشة.
وأمَّا على قولنا إنَّ أصلها " مَعِيشَةٌ " بكسر العين فلا شُذُوذَ فيها ومذهب الفرَّاءِ(٣) : أنَّ وزنها مَفْعلة بفتح العين، وليس بشيءٍ.
والمعيشةُ اسمٌ لما يُعاشُ به أي : يُحْيا وقال الزَّجَّاجُ : المعيشةُ ما يتوصلون به إلى العيش وهي في الأصل مصدر ل " عَاشَ " يعيشُ عَيْشاً، وعِيْشَةً قال تعالى :﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، وَمَعَاشاً : قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾ [النبأ: ١١]، ومَعِيشاً قال رُؤبةُ :[ الرجز ]
والعامَّةُ على " مَعَايشَ " بصريح الياءِ. وقد خرج خارجةُ(٥) فَرَوَى عن نافع " مَعَائِشَ " بالهَمْزِ، وقال النَّحْويُّون(٦) : هذا غَلَطٌ ؛ لأنَّهُ لا يهمز عندهم إلا ما كان فيه حرفُ المدِّ زائداً نحو : صَحَائِف ومَدَائِن، وأمَّا " مَعَايِش " فالياءُ أصلٌ ؛ لأنها من " العَيْشِ ".
قال الفَارِسيُّ - عن أبي عثمان - :" أصلُ أخْذِ هذه القراءة عن نَافعِ " قال :" ولَمْ يَكُنْ يَدْرِي ما العَرَبِيَّةُ ".
قال شهابُ الدِّينِ(٧) : وقد فعلتِ العربُ مثل هذا، فَهَمَزُوا " مَنَائِرَ ومَصَائِبَ " جمع " منارةٍ ومُصِيبَة " والأصل " مَنَاوِرُ، ومَصَاوِبُ " وقد غلَّطَ سيبويه(٨) من قال مصائِبَ، ويعني بذلك أنَّهُ غلطه بالنسبة إلى مخالفة الجادَّةِ، وهذا كما تقدَّم عنه أنه قال :" واعْلَمْ أنَّ بعضهم يغلط فيقول : إنَّهم أجمعونَ ذَاهِبُونَ " [ قال ] ومنهُمْ من يأتي بها على الأصل فَيَقُولُ : مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع " مقالٍ " و " مقام " :" مقاول " و " مقاوم " في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال : وأنشد النَّحْوِيُّون على ذلك :[ الطويل ]
ووجه همزها أنَّهُم شبَّهوا الاصليَّ بالزَّائد فتوهموا أن " معيشة " بزنة " صحيفة " فهمزوها كما همزوا " تيك " قالوا : ونظير ذلك في تشبيههم الأصل بالزائد قولهم في جميع " مسيل " " مُسْلان "، توهَّموه على أنَّه على زِنَةٍ " قضيبٍ وقُضْبَان " وقالوا في جمعه " أمْسِلَة " كأنَّهْمِ تَوَهَّمُوا أنَّهُ بزنة " رَغيفٍ، وأرْغِفَةٍ " وإنَّما مسيل وزنه " مفعلٌ " ؛ لأنه من سيلان الماءِ، وأنْشَدُوا على " مَسِيلِ، وأمْسِلة " قول أبِي ذُؤيْبٍ الهُذَلِيِّ :[ الوافر ]
وقال الزَّجَّاجُ(١١) : جميعُ نُحَاةِ البَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّ همزها خَطَأ، ولا أعلم لها وجهاً إلاَّ التِّشْبِيه ب " صحيفة " و " صحائف "، ولا ينبغي التَّعْوِيلُ على هذه القراءة.
قال شهابُ الدين(١٢) : وهذه القراءةُ لم يَنْفَرِدْ بها نافعٌ بل قَرَأهَا جماعة جلَّةٌ معه ؛ فإنَّها منقولة عن ابن عامر الذي قَرَأ على جماعة من الصَّحابةِ ك " عُثْمان " و " أبي الدَّرْدَاءِ " و " معاوية "، وقد سبق ذلك في " الأنعام " (١٣)، فقد قَرَأ بها قَبْلَ ظُهُورِ اللَّحْنِ، وهو عربي فَصِيحٌ وقَرَأ بها أيضاً زيدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهو على جانب من الفَصَاحَة والعلم الذي لا يدانيه فيه إلاَّ القليل، وَقَرأ بها أيضاً الأعْمَشُ والأعْرَجُ وكفى بهما في الإتْقَانِ والضَّبْطِ. وقد نقل الفرَّاءُ(١٤) أنَّ قلب هذه الياء تشبيها لها بياء " صحيف " قد جاء، وإن كان قليلاً.
وقوله :﴿قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ كقوله :﴿قَلِيلاً ما تَذكَّرُونَ﴾.
قوله " وجَعَلْنَا لكم " يجوز أن يكون " جَعَلَ " بمعنى " خَلَقَ " فيتعدَّى لواحد فيتعلَّقُ الجاران ب " الجعلé، أو بمحذوف على أنهما حالان من " معايش "، لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين. ويجوز أن تكون التصبيرية فتتعدى لاثنين أولهما :" " مَعَايِشَ "، والثَّأني أحد الجارين، والآخر : إمَّا حال متعلِّقَةٌ بمحذوف، وإمَّا متعلِّقةٌ بنفس الجعل وهو الظَّاهِرُ.
و " مَعَايِش " جمع مَعيشَةٍ، وفيها ثلاثةُ مذاهبٍ :
مذهبُ سيبويه(١) والخَلِيل : أنَّ وزنها مَفْعُلَةٍ بِضَمِّ العين، أو مَفْعِلة بكسرها، فعلى الأوَّلِ جُعلتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، ونُقِلَتْ إلى فَاءِ الكَلِمَةِ. وقياس قول الأخْفَشِ(٢) في هذا النَّحوِ أن يغيِّر الحرفَ لا الحَرَكَة، ف " معيشة " عنده شَاذَّةٌ إذْ كان يَنْبَغِي أَن يقال فيها مَعُوشة.
وأمَّا على قولنا إنَّ أصلها " مَعِيشَةٌ " بكسر العين فلا شُذُوذَ فيها ومذهب الفرَّاءِ(٣) : أنَّ وزنها مَفْعلة بفتح العين، وليس بشيءٍ.
والمعيشةُ اسمٌ لما يُعاشُ به أي : يُحْيا وقال الزَّجَّاجُ : المعيشةُ ما يتوصلون به إلى العيش وهي في الأصل مصدر ل " عَاشَ " يعيشُ عَيْشاً، وعِيْشَةً قال تعالى :﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، وَمَعَاشاً : قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً﴾ [النبأ: ١١]، ومَعِيشاً قال رُؤبةُ :[ الرجز ]
| إلَيْكَ أشْكُوا شِدَّةَ المَعيشِ | وَجُهْدَ أعْوَامِ نَتَفْنَ رِيشِي(٤) |
قال الفَارِسيُّ - عن أبي عثمان - :" أصلُ أخْذِ هذه القراءة عن نَافعِ " قال :" ولَمْ يَكُنْ يَدْرِي ما العَرَبِيَّةُ ".
قال شهابُ الدِّينِ(٧) : وقد فعلتِ العربُ مثل هذا، فَهَمَزُوا " مَنَائِرَ ومَصَائِبَ " جمع " منارةٍ ومُصِيبَة " والأصل " مَنَاوِرُ، ومَصَاوِبُ " وقد غلَّطَ سيبويه(٨) من قال مصائِبَ، ويعني بذلك أنَّهُ غلطه بالنسبة إلى مخالفة الجادَّةِ، وهذا كما تقدَّم عنه أنه قال :" واعْلَمْ أنَّ بعضهم يغلط فيقول : إنَّهم أجمعونَ ذَاهِبُونَ " [ قال ] ومنهُمْ من يأتي بها على الأصل فَيَقُولُ : مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع " مقالٍ " و " مقام " :" مقاول " و " مقاوم " في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال : وأنشد النَّحْوِيُّون على ذلك :[ الطويل ]
| وإنِّي لَقَوَّامٌ مقَاوِمَ لَمْ يَكُنْ | جَريرٌ ولا مَوْلَى جرِيرٍ يَقُومُهَا(٩) |
| بِوَادٍ لا أنِيسَ بِهِ يبابٍ | وأمْسِلَةٍ مَذَانِبُهَا خَلِيفُ(١٠) |
قال شهابُ الدين(١٢) : وهذه القراءةُ لم يَنْفَرِدْ بها نافعٌ بل قَرَأهَا جماعة جلَّةٌ معه ؛ فإنَّها منقولة عن ابن عامر الذي قَرَأ على جماعة من الصَّحابةِ ك " عُثْمان " و " أبي الدَّرْدَاءِ " و " معاوية "، وقد سبق ذلك في " الأنعام " (١٣)، فقد قَرَأ بها قَبْلَ ظُهُورِ اللَّحْنِ، وهو عربي فَصِيحٌ وقَرَأ بها أيضاً زيدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهو على جانب من الفَصَاحَة والعلم الذي لا يدانيه فيه إلاَّ القليل، وَقَرأ بها أيضاً الأعْمَشُ والأعْرَجُ وكفى بهما في الإتْقَانِ والضَّبْطِ. وقد نقل الفرَّاءُ(١٤) أنَّ قلب هذه الياء تشبيها لها بياء " صحيف " قد جاء، وإن كان قليلاً.
وقوله :﴿قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ كقوله :﴿قَلِيلاً ما تَذكَّرُونَ﴾.
١ ينظر: الكتاب لسيبويه ٢/٣٦٤-٣٦٧..
٢ ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/٢٩٣..
٣ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣٧٣..
٤ تقدم..
٥ ينظر: السبعة ٢٧٨، والحجة ٤/٧، وإعراب القراءات ١/١٧٦، وإتحاف ٢/٤٤..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٢٣٧..
٧ ينظر: الدر المصون ٣/٢٣٧..
٨ ينظر: الكتاب لسيبويه ٤/٣٥٦..
٩ البيت للأخطل ينظر: ديوانه ٢٣٣، الخصائص ٣/١٤٥، ابن يعيش ١٠/٩٠، المنصف ١/٣٠٦، المقتضب ١/٢٦٠، الدر المصون ٣/٢٣٨..
١٠ البيت ينظر: أشعار الهذليين ١/١٨٥، الدر المصون ٣/٢٣٨..
١١ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٣٥٣..
١٢ ينظر: الدر المصون ٣/٢٣٨..
١٣ ينظر: تفسير سورة الأنعام آية ١٣٧..
١٤ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣٧٣..
٢ ينظر: معاني القرآن للأخفش ٢/٢٩٣..
٣ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣٧٣..
٤ تقدم..
٥ ينظر: السبعة ٢٧٨، والحجة ٤/٧، وإعراب القراءات ١/١٧٦، وإتحاف ٢/٤٤..
٦ ينظر: الدر المصون ٣/٢٣٧..
٧ ينظر: الدر المصون ٣/٢٣٧..
٨ ينظر: الكتاب لسيبويه ٤/٣٥٦..
٩ البيت للأخطل ينظر: ديوانه ٢٣٣، الخصائص ٣/١٤٥، ابن يعيش ١٠/٩٠، المنصف ١/٣٠٦، المقتضب ١/٢٦٠، الدر المصون ٣/٢٣٨..
١٠ البيت ينظر: أشعار الهذليين ١/١٨٥، الدر المصون ٣/٢٣٨..
١١ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٣٥٣..
١٢ ينظر: الدر المصون ٣/٢٣٨..
١٣ ينظر: تفسير سورة الأنعام آية ١٣٧..
١٤ ينظر: معاني القرآن للفراء ١/٣٧٣..