اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما قال موسى لقومه :﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ بدأ بذكر ما أنزل بفرعون وقومه من المِحَنِ حالاً بعد حال، إلى أن وصل الأمرُ إلى الهلاكِ تنبيهاً للمكلَّفين على الزَّجْرِ عن الكفر.
" والسِّنينَ " : جمعُ سنة، وفيها لغتان أشهرهما : إجْرَاؤُهُ مُجرَى المُذكر السَّالم فيُرفع بالواو ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بالياء، وتُحْذَفُ نُونُه للإضافة.
قال النُّحَاةُ : إنَّمَا جرى ذلك المجرى جَبْراً لما فاته من لامه المحذوفةِ، وسيأتي في لامه كلامٌ، واللغة الثانيةُ : أن يُجْعَلَ الإعرابُ على النُّون ولكن مع الياء خاصَّةً. نقل هذه اللُّغة أبُو زيد والفراءُ. ثم لك فيها لغتان : إحداهما : ثبوتُ تنوينها. والثانية : عدمهُ.
قال الفرَّاءُ : هي في هذه اللُّغة مصروفة عند بني عامر، وغير مصروفة عند بني تميم، ووجه حذف التنوين التَّخفيف، وحينئذ لا تُحْذَفُ النُّون للإضافة وعلى ذلك جاء قوله :[ الطويل ]
وجاء في الحديث :" اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سنينَ كَسِنِي يُوسُفَ " (٢) " وسِنيناً كسِنِينِ يُوسفُ " باللُّغتين، وفي لام سَنَةٍ لغتان، أحدهما : أنَّهَا واو لقولهم : سنوات وسَانَيْتُ، وسُنَيَّةٌ. الثانية : أنَّها هاء لقولهم : سانَهْتُ وسَنَهَات وسُنَيْهَة، وليس هذا الحكمُ المذكور أعني : جريانه مجرى جمع المذكر أو إعرابه بالحركات مقتصراً على لفظ " سِنينَ " بل هو جارٍ في كلِّ اسم ثلاثي مؤنث حُذِفَتْ لامُهُ، وعُوِّضَ منها تَاءُ التَّأنيثِ، ولم يُجْمَع جمع تكسير نحو : ثُبَةٍ وثُبين، وقُلة، وقُلينَ.
قال شهابُ الدِّين(٣) :" وتَحرَّزْتُ بقولي : حُذِفَتْ لامُه مِمَّا حُذِفَتْ فاؤه، نحو : لِدة وعِدَة.
وبقولي ولم يُجْمع جمع تكسير من ظُبَةٍ وظُبّى، وقد شَذَّ قولهم : لِدُونَ في المحذوف الفاء، وظِبُونَ في المكسَّر.
واعلم أنَّ هذا النَّوَع إذَا جَرَى مَجْرَى الزيدينَ فإنْ كان مكسورَ الفاء سَلِمَتْ، ولم تُغَيَّر نحو : مائة ومئين، وفئة وفئين، وإنْ كان مفتوحها كُسِرَتْ نحو : سنين، وقد نُقِلَ فَتْحُها وهو قليلٌ جدّاً، وإن كان مضمومَهَا جاز في جمعها الوجهان : أعني السَّلامة، والكسر نحو : ثُبين وقُلين.
قال أبُو عَلِي : السَّنة على معنيين : أحدهما : يراد بها العام. والثاني : يراد بها الجدْب.
وقد غلبت السَّنَةُ على زمانِ الجدْبِ، والعام على زمان الخصب حتى صَارَا كالعلم بالغلبة ولذلك أشتقُّوا من لفظ السَّنَةِ فقالوا : أسْنَتَ القَوْمُ.
قال :[ الكامل ]
وقال حاتم الطائِيُّ :[ الطويل ]
ويُؤيِّدُ ذلك في سورة يوسف [ الآية ٤٧ ] :" ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾.
ثم قال :﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ فهذا في الجدب.
وقال :﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾.
وقوله :" مِنَ الثَّمَرَاتِ " متعلِّق ب " نَقْصٍ ".
قال قتادةُ : أمَّا السنُونَ فلأهل البوادي، وأمَّا نقص الثَّمراتِ فلأهل الأمصار.
" لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُّونَ " يتَّعظون، وذلك لأنَّ الشدة ترقق القلوب، وترغب فيما عند اللَّهِ.
قال تعالى :﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
قال القاضي : هذه الآية تدلُّ على أنَّهُ تعالى فعل ذلك لإرادة أن يذكَّرُوا وأنْ لا يقيموا على كفرهم، وأجاب الواحديُّ :" بأنَّهُ قد جاء لفظا الابتلاء، والاختبار في القرآن لا بمعنى أنَّه تعالى يمتحنهم، لأنَّ ذلك على اللَّهِ مُحَالٌ، بل إنَّه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء، والامتحان، فكذا ههنا ".
ثم بيَّن أنَّهُم عند نزول تلك المحن عليهم يزيدون في الكُفْرِ، والمعصيةِ.
" والسِّنينَ " : جمعُ سنة، وفيها لغتان أشهرهما : إجْرَاؤُهُ مُجرَى المُذكر السَّالم فيُرفع بالواو ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بالياء، وتُحْذَفُ نُونُه للإضافة.
قال النُّحَاةُ : إنَّمَا جرى ذلك المجرى جَبْراً لما فاته من لامه المحذوفةِ، وسيأتي في لامه كلامٌ، واللغة الثانيةُ : أن يُجْعَلَ الإعرابُ على النُّون ولكن مع الياء خاصَّةً. نقل هذه اللُّغة أبُو زيد والفراءُ. ثم لك فيها لغتان : إحداهما : ثبوتُ تنوينها. والثانية : عدمهُ.
قال الفرَّاءُ : هي في هذه اللُّغة مصروفة عند بني عامر، وغير مصروفة عند بني تميم، ووجه حذف التنوين التَّخفيف، وحينئذ لا تُحْذَفُ النُّون للإضافة وعلى ذلك جاء قوله :[ الطويل ]
| دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنِينَهُ | لَعْبِنَ بِنَا شيباً وشَيِّبْنَنَا مُرْدَا(١) |
فصل
قال شهابُ الدِّين(٣) :" وتَحرَّزْتُ بقولي : حُذِفَتْ لامُه مِمَّا حُذِفَتْ فاؤه، نحو : لِدة وعِدَة.
وبقولي ولم يُجْمع جمع تكسير من ظُبَةٍ وظُبّى، وقد شَذَّ قولهم : لِدُونَ في المحذوف الفاء، وظِبُونَ في المكسَّر.
| يَرَى الرَّاءُونَ بالشَّفرَاتِ مِنْهَا | وقُودَ أبِي حُبَاحِبَ والظُّبِينَا(٤) |
قال أبُو عَلِي : السَّنة على معنيين : أحدهما : يراد بها العام. والثاني : يراد بها الجدْب.
وقد غلبت السَّنَةُ على زمانِ الجدْبِ، والعام على زمان الخصب حتى صَارَا كالعلم بالغلبة ولذلك أشتقُّوا من لفظ السَّنَةِ فقالوا : أسْنَتَ القَوْمُ.
قال :[ الكامل ]
| عَمْرُوا الذي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ | ورِجَالُ مَكَّةَ مُسْنتُونَ عِجَافُ(٥) |
| فإنَّا نُهِينُ المَالَ مِنْ غَيْرِ ضِنَّةٍ | وَلاَ يَشْتَكِينَا في السِّنينَ ضَرِيرُهَا(٦) |
ثم قال :﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ فهذا في الجدب.
وقال :﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾.
وقوله :" مِنَ الثَّمَرَاتِ " متعلِّق ب " نَقْصٍ ".
قال قتادةُ : أمَّا السنُونَ فلأهل البوادي، وأمَّا نقص الثَّمراتِ فلأهل الأمصار.
" لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُّونَ " يتَّعظون، وذلك لأنَّ الشدة ترقق القلوب، وترغب فيما عند اللَّهِ.
قال تعالى :﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
فصل
قال القاضي : هذه الآية تدلُّ على أنَّهُ تعالى فعل ذلك لإرادة أن يذكَّرُوا وأنْ لا يقيموا على كفرهم، وأجاب الواحديُّ :" بأنَّهُ قد جاء لفظا الابتلاء، والاختبار في القرآن لا بمعنى أنَّه تعالى يمتحنهم، لأنَّ ذلك على اللَّهِ مُحَالٌ، بل إنَّه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء، والامتحان، فكذا ههنا ".
ثم بيَّن أنَّهُم عند نزول تلك المحن عليهم يزيدون في الكُفْرِ، والمعصيةِ.
١ تقدم..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الدر المصون ٣/٣٢٦-٣٢٧..
٤ تقدم برقم ١٢٠٣..
٥ البيت لمطرود بن كعب الخزاعي ينظر: الاشتقاق ص ١٣، ومعجم الشعراء ص ٢٠٠، وأمالي المرتضى ٢/٢٦٨، ولعبد الله بن الزبعري في أمالي المرتضى ٢/٢٦٩، والنوادر ١٧٦ ولسان العرب (سنت، هشم) والمقاصد النحوية ٤/١٤٠، والإنصاف ٢/٦٦٣، خزانة الأدب ١١/٣٦٧، شرح شواهد الإيضاح ص ٢٨٩، سر صناعة الإعراب ٢/٥٣٥ نوادر أبي زيد ص ١٦٧، والمنصف ٢/٢٣١، المقتضب ٢/٣١٢، ٣١٦، الدر المصون ٣/٣٢٧..
٦ ينظر: ديوانه ٦٢، الدر المصون ٣/٣٢٧..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الدر المصون ٣/٣٢٦-٣٢٧..
٤ تقدم برقم ١٢٠٣..
٥ البيت لمطرود بن كعب الخزاعي ينظر: الاشتقاق ص ١٣، ومعجم الشعراء ص ٢٠٠، وأمالي المرتضى ٢/٢٦٨، ولعبد الله بن الزبعري في أمالي المرتضى ٢/٢٦٩، والنوادر ١٧٦ ولسان العرب (سنت، هشم) والمقاصد النحوية ٤/١٤٠، والإنصاف ٢/٦٦٣، خزانة الأدب ١١/٣٦٧، شرح شواهد الإيضاح ص ٢٨٩، سر صناعة الإعراب ٢/٥٣٥ نوادر أبي زيد ص ١٦٧، والمنصف ٢/٢٣١، المقتضب ٢/٣١٢، ٣١٦، الدر المصون ٣/٣٢٧..
٦ ينظر: ديوانه ٦٢، الدر المصون ٣/٣٢٧..