الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ قال : ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان التيمي قال : زعم حضرمي أن الثلاثين ليلة التي وعد موسى ذو القعدة، والعشر التي تمم الله بها الأربعين ليلة عشر ذي الحجة.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : ما من عمل في أيام من السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة، وهي العشر التي أتمها الله لموسى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ يعني ذا القعدة وعشراً من ذي الحجة، خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هرون، فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليه التوراة في الألواح، فقربه الرب نجياً وكلمه وسمع صريف القلم، وبلغنا أنه لم يحدث في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ قال : ذو القعدة ﴿وأتممناها بعشر﴾ قال : عشر ذي الحجة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ قال : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هرون فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري أبصر جبريل، فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب فقال حين مضى ثلاثون ليلة : يا بني إسرائيل إن معكم حلياً من حلى آل فرعون وهو حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقها، فأتوه بما عندهم من حليهم، فأوقد ناراً ثم ألقى الحلي في النار، فلما ذاب الحلي ألقى تلك القبضة من التراب في النار فصار عجلاً جسداً له خوار، فخار خورة واحدة لم يثن فقال السامري : إن موسى ذهب يطلب ربكم وهذا إله موسى، فذلك قوله ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه: ٨٨] يقول : انطلق يطلب ربه فضل عنه وهو هذا، فقال الله تبارك وتعالى لموسى وهو يناجيه ﴿قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً﴾ [طه: ٨٥ - ٨٦] قال يعني حزيناً.
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال : قال الرب تبارك وتعالى لموسى عليه السلام « مرْ قومك أن ينيبوا إلي ويدعوني في العشر يعني عشر ذي الحجة فإذا كان اليوم العاشر فليخرجوا إليَّ أُغْفِرْ لهم » قال وهب : اليوم الذي طلبته اليهود فأخطأوه، وليس عدد أصوب من عدد العرب.
وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه « لما أتى موسى ربه وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين يوماً وقد صام ليلهن ونهارهن، فكره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربه : لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال : أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفي طيب الريح. قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشرة أيام ثم إيتني. ففعل موسى الذي أمره ربه فلما كلم الله موسى قال له ما قال.
أما قوله تعالى :﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾.
وأخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال : قال رسول الله ﷺ » لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به ؟ قال : يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا : يا موسى صف لنا كلام الرحمن. فقال : لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه، فذاك قريب منه وليس به ».
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عطاء بن السائب قال : كان لموسى عليه السلام قبة طولها ستمائة ذراع، يناجي فيها ربه عز وجل.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال : لما كلم الله موسى قال : يا رب أهكذا كلامك ؟ قال : يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن كعب قال : لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه يعني كلام موسى فجعل يقول : يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته، فقال : يا رب هكذا كلامك ؟ قال : لا، لو سمعت كلامي أي على وجهه لم تك شيئاً. قال يا رب هل في خلقك شيء شبه كلامك ؟ قال : لا، وأقرب خلقي شبهاً بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال : قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق ؟ فقال موسى : الرعد الساكن.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال : إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء، فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.
وأخرج الديلمي عن أبي هريرة رفعه، لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة، فأول ما كلمه بالبربرية أن قال : يا موسى ونفسي معبراً : أي أنا الله الأكبر. قال موسى : يا رب أعطيت الدنيا لأعدائك ومنعتها أولياءك فما الحكمة في ذلك ؟ فأوحى الله إليه : أعطيتها أعدائي ليتمرغوا، ومنعتها أوليائي ليتضرعوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عجلان قال : كلم الله موسى بالألسنة كلها، وكان فيما كلمه لسان البربر فقال كلمنه بالبربرية : أنا الله الكبير.
وأخرج سعيد بن منصور وأبي المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال :« يوم كلم الله موسى كان عليه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، وكمه صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي ».
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الرحمن بن معاوية قال : لما كلم موسى ربه عز وجل مكث أربعين يوماً لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.
وأخرج أبو الشيخ عن عروة بن رويم قال : كان موسى لم يأت النساء منذ كلمه ربه، وكان قد ألبس على وجهه بوقع فكان لا ينظر إليه أحد إلا مات فكشف لها عن وجهه، فأخذتها من غشيته مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال : كلم الله موسى من ألف مقام، فكان كلما كلمه رأى النور على وجهه ثلاثة أيام قال : وما قرب موسى امرأة مذ كلمه ربه.
وأخرج ابن المنذر عن عروة بن رويم اللخمي قال : قالت امرأة موسى لموسى : إني أيم منك مذ أربعين سنة فأمتعني بنظرة. فرفع البرقع عن وجهه فغشى وجهه نور التمع بصرها، فقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة. قال : على أن لا تزوّجي بعدي وأن لا تأكلي إلا من عمل يديك. قال : فكانت تتبع الحصادين، فإذا رأوا ذلك تخاطوا لها، فإذا أحست بذلك تجاوزته.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو خيثمة في كتاب العلم والبيهقي عن ابن عباس قال : قال موسى عليه السلام حين كلم ربه : أي رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال : أكثرهم لي ذكراً. قال : أي عبادك أحكم ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال رب أي عبادك أغنى ؟ قال : الراضي بما أعطيته.
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن. أن موسى عليه السلام سأل ربه جماعاً من الخير فقال : أصحب الناس بما تحب أن تصحب به.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ « أن الله تبارك وتعالى ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل، فكان فيما ناجاه إن قال : يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إليّ المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم، ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى : يا رب ويا إله البرية كلها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإِكرام، ماذا أعددت لهم ؟ وماذا جزيتهم ؟ قال : أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوَّأوا فيها حيث شاؤوا، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فأني أستحيهم، وأجلهم، وأكرمهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم في أحد ».
وأخرج أبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال « قال موسى : يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به. قال : قل يا موسى لا إله إلا الله. قال : يا رب كل عبادك يقول هذا. . . ! قال : قل لا إله إلا الله. قال : لا إله إلا أنت يا رب، إنما أريد شيئاً تخصني به. قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله ».
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن عطاء بن يسار قال : قال موسى عليه السلام : يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك ؟ قال : هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حزب.
وأخرج أحمد عن عمر أن القصير قال : قال موسى بن عمران : أي رب أين أبغيك ؟ قال : أبغني عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك انهدموا.
وأخرج ابن المبارك وأحمد عن عمار بن ياسر. أن موسى عليه السلام قال : يا رب حدثني بأحب الناس إليك قال : ولم. . . ؟ قال : لأحبه لحبك إياه. فقال : عبد في أقصى الأرض سمع به عبد آخر في أقصى الأرض لا يعرفه، فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته، وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته ما ذاك إلا لي، فذلك أحب خلقي إلي. قال : يا رب خلقت خلقاً تدخلهم النار أو تعذبهم ؟ فأوحى الله إليه : كلهم خلقي، ثم قال : ازرع زرعاً. فزرعه. فقال : اسقه فسقاه، ثم قال : قم عليه فقام عليه فحصده ورفعه، فقال : ما فعل زرعك يا موسى ؟ قال : فرغت منه ورفعته : قال : ما تركت منه شيئاً ؟ قال : ما لا خير فيه. قال : كذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة عن النبي ﷺ « أن موسى عليه السلام قال : يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك. قال : الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لم يبال أَقَلَّ الناس أم كثروا. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عروه موقوفاً ».
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال : سأل موسى عليه السلام ربه عزَّ وجل فقال : أي عبادك أغنى ؟ قال : الذي يقنع بما يؤتى. قال : فأي عبادك أحكم ؟ قال : الذي يحكم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى