تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( واختار موسى قومه ) فيه حذف، أي : من قومه ( سبعين رجلا لميقاتنا ) وفي هذا دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل - وهو الأصح - واختلفوا أنه لأي شيء اختارهم ؟ قال بعضهم : إنما اختارهم ليعتذروا إلى الله من عبادة أولئك الذين عبدوا العجل، وقيل : إنما اختارهم ليسمعوا كلام الله ؛ فإنهم سألوا ذلك موسى ( فلما أخذتهم الرجفة ) قال مجاهد : رجفت بهم الأرض ؛ فماتوا، وقيل : وقعت رعدة وزلزلة في أعضائهم، حتى كاد ينفصل بعضها من بعض، وقيل : إنما أهلكهم عقوبة على ما سألوا من رؤية الله جهرة.
( قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ) وذلك أن موسى ظن أن الله - تعالى - إنما أهلكهم بعبادة أولئك القوم العجل، وخاف أن بني إسرائيل يتهمونه، ويقولون : إن موسى قتلهم ؛ قال :( ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل ) يعني : عند عبادة العجل قبل أن آتي بهم ( وإياي ) بقتل القبطي الذي كان موسى قتله، وقيل : أراد به المشيئة الأزلية، كأنه فوض إهلاكهم إلى مشيئته، أي : لو شئت في الأزل أهلكتهم وإياي ومَنْ في العالم، فلا اعتراض لأحد عليك.
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) اختلفوا فيه أنه كيف قال : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، وكان يعلم أن الله - تعالى - لا يهلك أحدا بذنب غيره ؟ فقال بعضهم : هذا استفهام بمعنى الجحد، وهو قول ابن الأنباري أي : لا تهلكنا بفعل السفهاء، وهذا مثل قول الرجل لصاحبه : أتجهل عليّ وأنا أحلم ؟ ! أي : لا أحلم، ويقال في المثل : أغدة كغدة البعير ؟ وموت في بيت السلوليّة ؟(١) أي : لا يكون هذا قط، وقال الشاعر :
أتنسى حين تَصقُل عارضيهابعود بَشامة سُقِي البَشامُ(٢)
أي : لا تنسى، وقيل : هو استفهام بمعنى الإثبات، والمراد منه السؤال، كأنه يسأله أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟.
( إن هي إلا فتنتك ) أي : بلِيَّتُكَ ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ).
١ - انظر مجمع الأمثال للنيسابوري (٢/٥٧ رقم ٢٦٦٧)..
٢ - هو بيت شعر لجرير، وصدر البيت في اللسان: أتذكر يوم تصقل.. انظر لسان العرب. ونقل عن التهذيب: أتذكر إذ تودعنا سليمى..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى