معاني القرآن — الفراء
عن الكتاب
وقوله :﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾
وجاء التفسير : اختار منهم سبعين رجلا. وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذ طرحت ( مِن ) لأنه مأخوذ من قولك : هؤلاء خير القوم، وخير من القوم. فلما جازت الإضافة مكان ( مِن ) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا : اخترتكم رجلا، واخترت منكم رجلا.
وقد قال الشاعر :
وقال الراجز :
*** تحت الذي اختار له الله الشجو ***
وقوله :﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاء مِنا﴾ وذلك أن الله تبارك وتعالى أرسل على الذين معه - وهم سبعون - الرجفة، فاحترقوا، فظنّ موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل، فقال : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، وإنما أهلكوا بمسألتهم موسى ( أرنا الله جهرة ).
وقوله ﴿ثم اتخذوا العِجل﴾ ليس بمردود على قوله ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ ثم اتخذوا ؛ هذا مردود على فعلهم الأوّل. وفيه وجه آخر : أن تجعل ( ثم ) خبرا مستأنفا. وقد تستأنِف العرب بثم والفعلُ الذي بعدها قد مضى قبل الفعل الأوّل ؛ من ذلك أن تقول للرجل : قد أعطيتك ألفا ثم أعطيتك قبل ذلك مالا ؛ فتكون ( ثم ) عطفا على خبر المخبر ؛ كأنه قال : أخبرك أنى زرتك اليوم، ثم أخبِرك أنى زرتك أمس.
وأما قول الله عزَّ وجلّ ﴿خلقكم مِن نفسٍ واحِدةٍ ثم جعل مِنها زوجها﴾ فإن فيه هذا الوجه ؛ لئلا يقول القائل : كيف قال : خلقكم ثم جعل منها زوجها والزوج مخلوق قبل الولد ؟ فهذا الوجه المفسّر يدخل فيه هذا المعنى. وإن شئت جعلت ( ثم ) مردودة على الواحدة ؛ أراد - والله أعلم - خلقكم من نفس وَحْدها ثم جعل منها زوجها، فيكون ( ثم ) بعد خلقه آدم وحده. فهذا ما في ثم. وخِلْقةُ ثُمَّ أن يكون آخِر. وكذلك الفاء. فأما الواو فإنك إن شئت جعلت الآخِر هو الأوّل والأوّل الآخر. فإذا قلت : زرت عبد الله وزيدا، فأيَّهما شئت كان هو المبتدأ بالزيارة، وإذا قلت : زرت عبد الله ثم زيدا، أو زرت عبد الله فزيدا كان الأوّل قبل الآخِر، إلا أن تريد بالآخر أن يكون مردودا على خبر المخبر فتجعله أوّلا.
وجاء التفسير : اختار منهم سبعين رجلا. وإنما استجيز وقوع الفعل عليهم إذ طرحت ( مِن ) لأنه مأخوذ من قولك : هؤلاء خير القوم، وخير من القوم. فلما جازت الإضافة مكان ( مِن ) ولم يتغير المعنى استجازوا أن يقولوا : اخترتكم رجلا، واخترت منكم رجلا.
وقد قال الشاعر :
| فقلت له اخترها قَلُوصا سمِينة | وناباً علينا مثل نابك في الحَيَا |
| فقام إليها حَبْتَر بِسلاحِهِ | فللّه عينا حَبْتَرٍ أَيَّما فتى |
*** تحت الذي اختار له الله الشجو ***
وقوله :﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاء مِنا﴾ وذلك أن الله تبارك وتعالى أرسل على الذين معه - وهم سبعون - الرجفة، فاحترقوا، فظنّ موسى أنهم أهلكوا باتخاذ أصحابهم العجل، فقال : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، وإنما أهلكوا بمسألتهم موسى ( أرنا الله جهرة ).
وقوله ﴿ثم اتخذوا العِجل﴾ ليس بمردود على قوله ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ ثم اتخذوا ؛ هذا مردود على فعلهم الأوّل. وفيه وجه آخر : أن تجعل ( ثم ) خبرا مستأنفا. وقد تستأنِف العرب بثم والفعلُ الذي بعدها قد مضى قبل الفعل الأوّل ؛ من ذلك أن تقول للرجل : قد أعطيتك ألفا ثم أعطيتك قبل ذلك مالا ؛ فتكون ( ثم ) عطفا على خبر المخبر ؛ كأنه قال : أخبرك أنى زرتك اليوم، ثم أخبِرك أنى زرتك أمس.
وأما قول الله عزَّ وجلّ ﴿خلقكم مِن نفسٍ واحِدةٍ ثم جعل مِنها زوجها﴾ فإن فيه هذا الوجه ؛ لئلا يقول القائل : كيف قال : خلقكم ثم جعل منها زوجها والزوج مخلوق قبل الولد ؟ فهذا الوجه المفسّر يدخل فيه هذا المعنى. وإن شئت جعلت ( ثم ) مردودة على الواحدة ؛ أراد - والله أعلم - خلقكم من نفس وَحْدها ثم جعل منها زوجها، فيكون ( ثم ) بعد خلقه آدم وحده. فهذا ما في ثم. وخِلْقةُ ثُمَّ أن يكون آخِر. وكذلك الفاء. فأما الواو فإنك إن شئت جعلت الآخِر هو الأوّل والأوّل الآخر. فإذا قلت : زرت عبد الله وزيدا، فأيَّهما شئت كان هو المبتدأ بالزيارة، وإذا قلت : زرت عبد الله ثم زيدا، أو زرت عبد الله فزيدا كان الأوّل قبل الآخِر، إلا أن تريد بالآخر أن يكون مردودا على خبر المخبر فتجعله أوّلا.