بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ أي من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا﴾ يعني : للميقات الذي وقتنا له ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ يعني الزلزلة، تزلزل الجبل بهم فماتوا ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ﴾ يعني : من قبل أن يصحبوني ﴿وإياي﴾ بقتل القبطي ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا﴾ قال الكلبي : ظن موسى أنه إنما أهلكهم باتخاذ بني إسرائيل العجل. وروي عن عليّ بن أبي طالب أنه قال : انطلق موسى وهارون ومعهما شَبَّر وَشَبيِّر وهما ابنا هارون حتى انتهوا إلى جبل وفيه سرير، فنام عليه هارون فقبض، فرجع موسى إلى قومه، فقالوا له : أنت قتلته حسداً على خلقه ولينه. قال : كيف أقتله ومعي ابناه، فاختاروا من شئتم، فاختاروا سبعين، فانتهوا إليه. فقالوا له : من قتلك يا هارون : قال ما قتلني أحد ولكن توفاني الله تعالى. فأخذتهم الرجفة فماتوا كلهم. فقال موسى :﴿رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ﴾ وإياي. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما انطلق موسى إلى الجبل أمر بأن يختار سبعين رجلاً من قومه : فاختار من كل سبط ستة رجال، فبغلوا اثنين وسبعين، فقال موسى : إني أمرت بسبعين فليرجع اثنان، ولهما أجر من حضر، فرجع يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا.
فذهب موسى مع السبعين إلى الجبل، فلما رجع إليهم موسى من المناجاة قالوا له : إنك قد لقيت ربك فأرنا الله جهرة حتى نراه كما رأيته. فجاءتهم نار فأحرقتهم فماتوا. فقال موسى : حين أماتهم الله تعالى ﴿رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ﴾ هذا اليوم ﴿وإياي﴾ معهم ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ يعني : أتوقعني في ملامة بني إسرائيل وتعييرهم بفعل هؤلاء السفهاء ثم أحياهم الله تعالى.
وروى أسباط عن السدي قال : إن موسى انطلق بسبعين من بني إسرائيل يعتذرون إلى ربهم عن عبادة العجل، وذكر نحو حديث عبد الله بن عباس ثم قال :﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ يعني بليتك وعذابك ويقال : يعني عبادة العجل بليتك حيث جعلت الروح فيه ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ أي بالفتنة ﴿مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء﴾ من الفتنة ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ أي حافظنا وناصرنا ﴿فاغفر لَنَا﴾ يعني : ذنوبنا ﴿وارحمنا﴾ يعني : ولا تعذبنا ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين﴾ يعني : المتجاوزين عن الذنوب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى