فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا﴾ هذا شروع في بيان ما كان من موسى، ومن القوم الذين اختارهم، " وسبعين " مفعول ﴿اختار﴾، " وقومه " منصوب بنزع الخافض، أي من قومه على الحذف والإيصال، ومثله قوله الراعي :
اخترتك الناس إذ رثت خلائقهمواعتل من كان يرجى عنده السول
يريد اخترتك من الناس، ومعنى ﴿لميقاتنا﴾ للوقت الذي وقتناه له، بعد أن وقع من قومه ما وقع. والميقات الكلام الذي تقدم ذكره، لأن الله أمره أن يأتي إلى الطول في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل، كذا قيل. والرجفة في اللغة : الزلزلة الشديدة. قيل : إنهم زلزلوا حتى ماتوا، فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم :﴿قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياي﴾ قاله عليه السلام تحسراً وتلهفاً، لأن سبب أخذ الرجفة لهم ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ على ما تقدّم في البقرة. وقيل : هؤلاء السبعون غير من قالوا :﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ بل أخذتهم الرجفة، بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل. وقيل : إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل، ولا نهوا السامريّ ومن معه عن عبادته، فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم. والمعنى لو شئت إهلاكنا بذنوبنا قبل هذا الوقت اعترافاً منه عليه السلام بالذنب، وتلهفاً على ما فرط من قومه. والاستفهام في قوله :﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا﴾ للجحد، أي [ لست ] ممن يفعل ذلك، قاله ثقة منه برحمة الله. والمقصود منه الاستعطاف والتضرّع. وقيل : معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا. قال المبرد : المراد بالاستفهام استفهام الإعظام كأنه يقول : وقد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره. ولكنه كقول عيسى :﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ ؛ وقيل المراد بالسفهاء : السبعون، والمعنى : أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم :﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾. وقيل المراد بهم : السامري وأصحابه. قوله :﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ أي ما الفتنة التي وقع فيها هؤلاء السفهاء إلا فتنتك التي تختبر بها من شئت، وتمتحن بها من أردت. ولعله عليه السلام استفاد هذا من قوله سبحانه :﴿إنا قد فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء﴾ أي تضلّ بهذه الفتنة من تشاء من عبادك وتهدي بها من تشاء منهم، ومثله :﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، ثم رجع إلا الاستعطاف والدعاء فقال :﴿أَنتَ وَلِيُّنَا﴾ أي المتولي لأمورنا ﴿فاغفر لَنَا﴾ ما أذنبناه ﴿وارحمنا﴾ برحمتك التي وسعت كل شيء ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين﴾ للذنوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ الآية. قال كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً، فاختار سبعين رجلاً فبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا الله أن قالوا : اللهم أعطنا ما لم تعط أحداً من قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ. إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ يقول : إن هي إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد ﴿لميقاتنا﴾ قال : لتمام الموعد، وفي قوله :﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾ قال : ماتوا ثم أحياهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن أبي العالية، في قوله ﴿إن هي إلا فتنتك﴾ قال : بليتك. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿إن هي إلا فتنتك﴾ قال : مشيئتك. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنما أخذتهم الرجفة، لأنهم لم يرضوا العمل ولم ينهوا عنه.
وأخرج سعيد بن منصور، عنه، في قوله :﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة﴾ فلم يعطها موسى ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ إلى قوله :﴿المفلحون﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله :﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة﴾ قال : فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق، عن ابن عباس، في قوله :﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ قال تبنا إليك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي وجزة السعدي، وكان من أعلم الناس بالعربية قال : لا والله ما أعلمها في كلام العرب ﴿هدنا﴾ ؛ قيل فكيف قال " هدنا " بكسر الهاء، يقول : مِلنا.
وأخرج عبد الرزاق، وأحمد في الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن وقتادة، في قوله :﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ قال : وسعت رحمته في الدنيا البرّ والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة. وأخرج مسلم وغيره، عن سلمان، عن النبي ﷺ قال :" إن لله مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق. وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " وأخرج نحوه أحمد، وأبو داود، والطبراني، والحاكم، والضياء المقدسي، من حديث جندب بن عبد الله العجلي. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي قال : لما نزلت :﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ قال إبليس : وأنا من الشيء. فنسخها الله، فنزلت :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى آخر الآية. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، قال : لما نزلت ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ قال إبليس : أنا من الشيء، قال الله تعالى :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ قالت اليهود : فنحن نتقي ونؤتي الزكاة، قال الله :﴿الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبيّ الأميّ﴾ فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود، وجعلها لأمة محمد ﷺ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج البزار في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً ﷺ. قوله :﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ إلى قوله :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فأعطى محمداً كل شيء سأل موسى ربه في هذه الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، في قوله :﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قال : كتبها الله لهذه الأمة. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : يتقون الشرك.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن النخعي في قوله :﴿النبيّ الأميّ﴾ قال : كان لا يقرأ ولا يكتب. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال : هو نبيكم ﷺ كان أمياً لا يكتب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله :﴿الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ﴾ قال : يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم. وأخرج ابن سعد، والبخاري، والبيهقي في الدلائل، عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له : أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ، قال : أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن :«يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً». وأخرج ابن سعيد، والدارمي في مسنده، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن عبد الله بن سلام مثله. وقد روي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ، وزيادة في بعض، ونقص في بعض عن جماعة.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله :﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات﴾ قال : الحلال ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قال : التثقيل الذي كان في دينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث﴾ قال : كلحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المحرّمات من المآكل التي حرمها الله، وفي قوله :﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قال : هو ما كان الله أخذ عليهم من الميثاق فيما حرّم عليهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله :﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ قال : ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ يعني : عظموه ووقروه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى