غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ قال ابن عباس : يريد أهل مكة والظاهر أنه عام. والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء. ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿من حيث لا يعلمون﴾ ما يراد بهم. وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وإذا أخذ ربك﴾ لم يقل «ربكم» ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره ﷺ وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه ﷺ، وأنه تعالى لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿إنما أشرك آباؤنا﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿بما فعل المبطلون﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ولعلهم يرجعون﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿فانسلخ منها﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً﴾ وهم مظاهر القهر ﴿فادعوه بها﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿سنستدرجهم﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.