فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَأُمْلِى لَهُمْ﴾ معطوف على سنستدرجهم، أي أطيل لهم المدّة وأمهلهم، وأؤخر عنهم العقوبة. وجملة ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ مقرّرة لما قبلها من الاستدراج والإملاء، ومؤكدة له. والكيد : المكر، والمتين : الشديد القويّ، وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب. قال في الكشاف : سماه كيداً، لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله :﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾ قال : ذكر لنا أن النبي ﷺ قال :«هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون» وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال : بلغنا أن نبي الله ﷺ كان يقول إذا قرأها :«هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها» ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال : قال رسول الله ﷺ «إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى نزل». وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله :﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يقول : سنأخذهم من حيث لا يعلمون. قال : عذاب بدر. وأخرج أبو الشيخ، عن يحيى بن المثنى في الآية قال : كلما أحدثوا ذنباً جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار. وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سفيان في الآية قال : نسبغ عليهم النعمة ونمنعهم شكرها. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن ثابت البناني، أنه سئل عن الاستدراج فقال : ذلك مكر الله بالعباد المضيعين.
وأخرج أبو الشيخ، في قوله :﴿وَأُمْلِى لَهُمْ﴾ يقول : أكفّ عنهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ إن مكري شديد، ثم نسخها الله فأنزل ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كيد الله العذاب والنقمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال : ذكر لنا " أن نبيّ الله ﷺ قام على الصفا، فدعا قريشاً فخذاً فخذاً : يا بني فلان يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل : إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى أصبح، فأنزل الله :﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى