غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿ورياشا﴾ أبو زيد عن المفضل. الباقون ﴿ريشاً﴾ ﴿ولباس﴾ بالنصب : أبو جعفر ونافع وابن عامر وعليّ. الباقون بالرفع. ﴿خالصة﴾ بالرفع : نافع. الآخرون بالنصب ﴿ربي الفواحش﴾ مرسلة الباء : حمزة.
الوقوف :﴿وريشاً﴾ ط لمن قرأ ﴿ولباس﴾ مرفوعاً ومن قرأ بالنصب وقف على ﴿التقوى﴾ ﴿خير﴾ ط ﴿يذكرون﴾ ه ﴿سوآتهما﴾ ط ﴿لا يؤمنون﴾ ه ﴿أمرنا بها﴾ ط ﴿بالفحشاء﴾ ط ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿الدين﴾ ط ﴿تعودون﴾ ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية ﴿الضلالة﴾ ج ﴿مهتدون﴾ ه ﴿ولا تسرفوا﴾ ج لاحتمال الفاء أو اللام. ﴿المسرفين﴾ ه ﴿من الرزق﴾ ط ﴿يوم القيامة﴾ ط ﴿يعلمون﴾ ه ﴿ما لا تعلمون﴾ ه ﴿أجل﴾ ج لأن جواب «إذا» منتظر مع دخول الفاء فيها ﴿ولا يستقدمون﴾ ه.
قيل : كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها فأنكر ذلك عليهم بقوله :﴿قل من حرم زينة الله﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين : هي اللباس الساتر للعورة. وقال آخرون : إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب. عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله ﷺ وقال : غلبني حديث النّفس عزمت على أن اختصي فقال : مهلاً يا عثمان فإن خصاء أمتي الصيام. قال : فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال : إن ترهب أمتي القعود في المساجد لانتظار الصلوات. فقال : تحدثني نفسي بالسياحة قال : سياحة أمتي الغزو والحج والعمرة. فقال : إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك. فقال : الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك. فقال : نفسي تحدثني أن أطلق خولة. فقال : أن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله تعالى. قال : فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها فقال : إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولداً كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كانله شفيعاً ورحمة يوم القيامة. قال : فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم. قال : مهلاً إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله. قال : فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب. قال : مهلاً فإن جبريل يأمرني بالطيب غباً وقال : لا تتركه يوم الجمعة. ثم قال : يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي. واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع خالصاً وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصاً وكان تركه خالص النفع فيلتحق بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحاً والضرر مرجوحاً تقابل المثل بالمثل وبقي القدر الزائد نفعاً خالصاً، وإن كان الضرر راجحاً بقي القدر الزائد ضرراً خالصاً وكان تركه نفعاً خالصاً، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصاً خاصاً في الواقعة فنقضي به تقديماً للخاص على العام. قال نفاة القياس : لو تعبدنا الله تعالى بالقياس لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقاً لحكم هذا النص العام وحينئذٍ يكون ضائعاً لأن هذا النص مستقبل به، وإن كان مخالفاً كان ذلك القياس تخصيصاً لعموم هذا النص فيكون مردوداً لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرن وافٍ بجميع الأحكام الشرعية والله تعالى أعلم. ثم بيّن أن الزينة والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله :﴿ومن كفر فأمتعه قليلاً﴾ [البقرة: ١٢٦] وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم فقال :﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة﴾ من قرأ بالرفع فلأنه خبر بعد خبر. قال أبو علي : أبو على الخبر ﴿والذين آمنوا﴾ متعلق به والتقدير : هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ﴿يوم القيامة﴾ وعلى هذا يكون ﴿في الحياة﴾ ظرفاً ل ﴿آمنوا﴾ و﴿يوم القيامة﴾ ظرفاً ل ﴿خالصة﴾ فيفهم من ذلك أنها في غير يوم القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار. وعلى الأول يكون ﴿في الحياة﴾ ظرفاً لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم خالصة يوم القيامة. ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا آنفاً ﴿كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿قد أنزلنا عليكم لباساً﴾ هو لباس الشريعة ﴿يواري﴾ سوآت الأفعال القبيحة في الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ﴿وريشاً﴾ زينةً وجمالاً في الظاهر والباطن ﴿ولباس التقوى﴾ وهو لباس القلب والروح والسر والخفي. فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى فيواري بها هوية غير المولى ﴿ذلك خير﴾ لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ﴿ذلك من آيات الله﴾ أي إنزال الشريعة والحقيقة مما يدل على المولى.
﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ بالدنيا وما فيها ومتابعة الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ وجوار الحق ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ﴿ليريهما سوآتها﴾ من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية كما رأوا في آدم ﴿وقالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿من حيث لا ترونهم﴾ أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر الروحاني بل بالنور الرباني. ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء﴾ خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة. ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ هي طلب الدنيا وحبها ﴿قالوا إنا وجدنا آباءنا﴾ على محبة الدنيا وشهواتها ﴿والله أمرنا﴾ بطلب الكسب الحلال ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله :﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ ﴿كما بدأكم﴾ لطفاً أو قهراً ﴿تعودون﴾ إليه. فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم الضلالة يعودون إليه جبراً واضطراراً فيسحبون في النار على وجوههم ﴿خذوا زينتكم﴾ فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية ﴿وكلوا واشربوا﴾ في مقام العندية كما قال :«أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» ﴿ولا تسرفوا﴾ بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث تضيع حقوق العبودية. ﴿زينة الله﴾ فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدّى لطلب هذه المقامات فهي مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع ﴿والطيبات من الرزق﴾ ما لم يكن مشوباً بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية ﴿خالصة يوم القيامة﴾ من هذه الآفات والكدورات كما قال :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ [الحجر: ٤٧] ﴿الفواحش﴾ ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب ؛ ففاحشة العوام ﴿ما ظهر منها﴾ ارتكاب المناهي ﴿وما بطن﴾ خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ﴿ما ظهر منها﴾ تتبع ما لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة ﴿وما بطن﴾ الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ﴿ما ظهر منها﴾ ترك أدب من الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب ﴿وما بطن﴾ الركون إلى شيء في الدارين والالتفات إلى غير الله من العالمين. ﴿والإثم﴾ الإعراض عن الله ولو طرفة عين ﴿والبغي﴾ وهو حب غير الله فإنه وضع في غيره موضعه. وأن يستغيثوا بغير الله ما لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة ﴿وأن تقولوا﴾ بفتوى النفس وهواها أو بنظر العقل ﴿على الله ما لا تعلمون﴾ حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال السائرين ما لمستم به عارفين ﴿وكل أمة﴾ من السائرين إلى الله أو إلى الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد للأعداء وسياسة لنفوسهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى