فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاب
﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ٣٤ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ٣٥﴾.
﴿ولكل أمة﴾ من الأمم المهلكة ﴿أجل﴾ أي وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم من الأمرين جميعا.
﴿فإذا جاء أجلهم﴾ أي إذا جاء أجل كل أمة من الأمم كان ما قدره عليهم واقعا في ذلك الأجل، قيل المراد بالأجل وقت نزول العذاب، وقيل أجل الحياة والعمر، وعلى هذا لكل واحد أجل لا ينفع فيه تقديم ولا تأخير، والأجل يطلق على كل من مدة العمر بتمامها وعلى الجزء الأخير منها وأجل الشيء مدته ووقته الذي يحل فيه، وهو مصدر أجل الشيء أجلا من باب تعب وأجل أجولا من باب قعد لغة وأجلته تأجيلا جعلت له أجلا، والآجال جمع أجل مثل سبب وأسباب.
﴿لا يستأخرون ساعة﴾ خص الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف وقد استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله وإن كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك، والبحث في ذلك طويل جدا.
ومثل هذه الآية قوله تعالى ﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ وكان الحسن يقول : ما أحمق هؤلاء القوم يقولون اللهم أطل عمره والله يقول ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ الآية.
عن ابن المسيب قال : لما طعن عمر قال كعب لو دعا الله لأخر في أجله، فقيل له أليس قد قال الله فإذا جاء أجلهم الآية فقال كعب وقد قال الله وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب.
﴿ولا يستقدمون﴾ مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم بل لا بد من استيفائهم إياه كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان، وقال الحوفي وغيره إنه معطوف على ﴿لا يستأخرون﴾ وهذا لا يجوز وقال الواحدي، المعنى لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت ولا يستقدمون عليها إذا قربت الانقضاء.
قلت هذا بناء منه على أنه معطوف على ﴿لا يستأخرون﴾ وهو ظاهر أقوال المفسرين وبالأول قال التفتازاني والكرخي، وقال أبو السعود : معطوف على الجواب لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخير بل للمبالغة في انتفاء التأخير بنظمه في سلك المستحيل عقلا.
وقال القاري : حاصل كلام القاضي أن هذا بمنزلة المثل أي لا يقصد من مجموع الكلام إلا أن الوقت تقرر لا يتغير ولا يتبدل انتهى.
أقول قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة وهي قوله تعالى ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾ وقوله تعالى ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ فقيل إنها معارضة لقوله عز وجل ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ وقوله سبحانه ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ وقوله سبحانه ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾.
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص استدلالا بالآيات المتقدمة وبالأحاديث الصحيحة كحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن أحدكم يجمع خلقه في أربعين يوما ثم يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ) وهو في الصحيحين وغيرهما وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة(١).
وأجابوا عن قوله عز وجل ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ بأن المعنى يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب.
ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية بغير مخصص.
وأيضا يقال لهم : إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما في الأحاديث الصحيحة ومن جملة ذلك الشرائع والفرائض فهي مثل العمر إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات.
وقيل المراد بالآية محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان، ويجاب عنه بمثل الجواب الأول.
وقيل يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء فلا يغفر، ويجاب عنه بمثل الجواب السابق.
وقيل يمحو ما يشاء من القرون كقوله ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون﴾ وكقوله تعالى ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين﴾ فنمحو قرنا ونثبت قرنا، ويجاب عنه أيضا بمثل ما تقدم.
وقيل هو الذي يعمل بطاعة الله ثم يعمل بمعصية الله ثم يتوب فيمحوه الله من ديوان السيئات ويثبته في ديوان الحسنات.
وقيل يمحو ما يشاء يعني الدنيا ويثبت الآخرة، وقيل غير ذلك وكل هذه الأجوبة دعاوى مجردة ولا شك أن آية المحو والإثبات عامة لكل ما يشاءه الله سبحانه فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص، وإلا كان ذلك من التقول على الله عز وجل بما لم يقل، وقد توعد الله تعالى على ذلك وقرنه بالشرك فقال ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾.
وأجابوا عن قوله تعالى ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ بأن المراد بالعمر الطويل العمر والمراد بالناقص القصير العمر، وفي هذا نظر لأن الضمير في قوله ﴿ولا ينقص من عمره﴾ يعود إلى قوله ﴿من معمر﴾ والمعنى على هذا وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب، هذا ظاهر معنى النظم القرآني.
وأما التأويل المذكور فإنما يتم على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية وذلك لا وجود له في النظم.
وقيل : إن معنى ما يعمر من معمر ما يستقبله من عمره ومعنى لا ينقص من عمره ما قد مضى، وهذا أيضا خلاف الظاهر لأن هذا ليس بنقص من نفس العمر والنقص يقابل الزيادة وههنا جعله مقابلا للبقية من العمر، وليس ذلك بصحيح.
وقيل المعنى ﴿وما يعمر من معمر﴾ من بلغ سن الهرم ولا ينقص من عمره أي من عمر آخر غير هذا الذي بلغ سن الهرم عن عمر هذا الذي بلغ سن الهرم ويجاب عنه بما تقدم.
وقيل المعمر من يبلغ عمره ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين، وقيل غير ذلك من التأويلات التي يردها اللفظ ويدفعها.
وأجابوا عن قوله سبحانه ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ بأن المراد بالأجل الأول النوم والثاني الوفاة، وقيل الأول ما قد انقضى عن عمر كل أحد والثاني ما بقي من عمر كل أحد، وقيل الأول أجل الموت والثاني ما بين موته إلى بعثته، وقيل غير ذلك مما فيه مخالفة للنظم القرآني.
وقال جمع من أهل العلم : إن العمر يزيد وينقص واستدلوا بالآيات المتقدمة فإن المحو والإثبات عامان يتناولان العمر والرزق والسعادة والشقاوة وغير ذلك وقد ثبت عن جماعة من السلف والصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني منهم، وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم.
وهكذا يدل على هذا المعنى الآية الثانية فإن معناها أنه لا يطول عمر الإنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ، وهكذا يدل قوله تعالى ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ أن للإنسان أجلين يقضي الله سبحانه بما شاء منهما من زيادة أو نقص.
ويدل على ذلك أيضا ما في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي لفظ في الصحيحين :( من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) (٢) وفي لفظ ( من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه ). وفي لفظ صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار.
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر للعباد بالدعاء كقوله عز وجل ﴿أدعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ وقوله ﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ وقوله ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقوله ﴿واسألوا الله من فضله﴾ والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة وفيها أن الدعاء يدفع البلاء ويرد القضاء كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال ( اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء ) (٣).
وثبت في حديث قنوت الوتر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :( وقني شر ما قضيت ) (٤)، فلو كان الدعاء لا يفيد شيئا وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزلي لكان أمره عز وجل لغوا لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين له، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء وأنه عبادة لغوا لا فائدة فيه.
وهكذا يكون إستعاذته ﷺ من سوء القضاء لغوا لا فائدة فيه، وهكذا يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم :( وقني شر ما قضيت ) لغوا لا فائدة فيه. وهكذا يكون أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتداوي وأن الله سبحانه ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء لغوا لا فائدة فيه مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح عنه ﷺ.
فإن قلت فعلام يحمل ما تقدم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر.
قلت قد أجاب عن ذلك بعض السلف وتبعه بعض الخلف بأن هذه الآية مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره، ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك فإنه قال ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ وقوله سبحانه ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾.
فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر الأجل لم يتأخر ولا يتقدم، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرا أو قطع ما أمره الله به أن يوصل أو انتهك محارم الله سبحانه.
فإن قلت فعلام يحمل قوله عز وجل ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ وقوله سبحانه ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ وكذلك سائر ما ورد في هذا المعنى.
قلت هذه أولا معارضة بمثلها وذلك قوله عز وجل ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسي : يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه(٥).
وثانيا بإمكان الجمع بحمل مثل قوله ﴿إلا في كتاب﴾ وقوله ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ على عدم التسبيب من العبد بأسباب الخير من الدعاء وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبيب بأسباب الخير الموجبة بحسن القضاء واندفاع شره، وعلى وقوع التسبيب بأسباب الشر المقتضية لاصابة المكروه ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بسبق القضاء، وأنه قد فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير وكذلك الدعاء، فيحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وتحمل الأحاديث الآخرة على أنه قد وقع من العبد التسبيب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم أو التسبب بأسباب الشر.
فإن قلت قد تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة بأن عمله عز وجل أزلي وأنه قد سبق
﴿ولكل أمة﴾ من الأمم المهلكة ﴿أجل﴾ أي وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم من الأمرين جميعا.
﴿فإذا جاء أجلهم﴾ أي إذا جاء أجل كل أمة من الأمم كان ما قدره عليهم واقعا في ذلك الأجل، قيل المراد بالأجل وقت نزول العذاب، وقيل أجل الحياة والعمر، وعلى هذا لكل واحد أجل لا ينفع فيه تقديم ولا تأخير، والأجل يطلق على كل من مدة العمر بتمامها وعلى الجزء الأخير منها وأجل الشيء مدته ووقته الذي يحل فيه، وهو مصدر أجل الشيء أجلا من باب تعب وأجل أجولا من باب قعد لغة وأجلته تأجيلا جعلت له أجلا، والآجال جمع أجل مثل سبب وأسباب.
﴿لا يستأخرون ساعة﴾ خص الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف وقد استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله وإن كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك، والبحث في ذلك طويل جدا.
ومثل هذه الآية قوله تعالى ﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ وكان الحسن يقول : ما أحمق هؤلاء القوم يقولون اللهم أطل عمره والله يقول ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ الآية.
عن ابن المسيب قال : لما طعن عمر قال كعب لو دعا الله لأخر في أجله، فقيل له أليس قد قال الله فإذا جاء أجلهم الآية فقال كعب وقد قال الله وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب.
﴿ولا يستقدمون﴾ مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم بل لا بد من استيفائهم إياه كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان، وقال الحوفي وغيره إنه معطوف على ﴿لا يستأخرون﴾ وهذا لا يجوز وقال الواحدي، المعنى لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت ولا يستقدمون عليها إذا قربت الانقضاء.
قلت هذا بناء منه على أنه معطوف على ﴿لا يستأخرون﴾ وهو ظاهر أقوال المفسرين وبالأول قال التفتازاني والكرخي، وقال أبو السعود : معطوف على الجواب لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخير بل للمبالغة في انتفاء التأخير بنظمه في سلك المستحيل عقلا.
وقال القاري : حاصل كلام القاضي أن هذا بمنزلة المثل أي لا يقصد من مجموع الكلام إلا أن الوقت تقرر لا يتغير ولا يتبدل انتهى.
أقول قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة وهي قوله تعالى ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾ وقوله تعالى ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله﴾ فقيل إنها معارضة لقوله عز وجل ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ وقوله سبحانه ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ وقوله سبحانه ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾.
فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص استدلالا بالآيات المتقدمة وبالأحاديث الصحيحة كحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( إن أحدكم يجمع خلقه في أربعين يوما ثم يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ) وهو في الصحيحين وغيرهما وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة(١).
وأجابوا عن قوله عز وجل ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ بأن المعنى يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب.
ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية بغير مخصص.
وأيضا يقال لهم : إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما في الأحاديث الصحيحة ومن جملة ذلك الشرائع والفرائض فهي مثل العمر إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات.
وقيل المراد بالآية محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان، ويجاب عنه بمثل الجواب الأول.
وقيل يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء فلا يغفر، ويجاب عنه بمثل الجواب السابق.
وقيل يمحو ما يشاء من القرون كقوله ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون﴾ وكقوله تعالى ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين﴾ فنمحو قرنا ونثبت قرنا، ويجاب عنه أيضا بمثل ما تقدم.
وقيل هو الذي يعمل بطاعة الله ثم يعمل بمعصية الله ثم يتوب فيمحوه الله من ديوان السيئات ويثبته في ديوان الحسنات.
وقيل يمحو ما يشاء يعني الدنيا ويثبت الآخرة، وقيل غير ذلك وكل هذه الأجوبة دعاوى مجردة ولا شك أن آية المحو والإثبات عامة لكل ما يشاءه الله سبحانه فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص، وإلا كان ذلك من التقول على الله عز وجل بما لم يقل، وقد توعد الله تعالى على ذلك وقرنه بالشرك فقال ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾.
وأجابوا عن قوله تعالى ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ بأن المراد بالعمر الطويل العمر والمراد بالناقص القصير العمر، وفي هذا نظر لأن الضمير في قوله ﴿ولا ينقص من عمره﴾ يعود إلى قوله ﴿من معمر﴾ والمعنى على هذا وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب، هذا ظاهر معنى النظم القرآني.
وأما التأويل المذكور فإنما يتم على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية وذلك لا وجود له في النظم.
وقيل : إن معنى ما يعمر من معمر ما يستقبله من عمره ومعنى لا ينقص من عمره ما قد مضى، وهذا أيضا خلاف الظاهر لأن هذا ليس بنقص من نفس العمر والنقص يقابل الزيادة وههنا جعله مقابلا للبقية من العمر، وليس ذلك بصحيح.
وقيل المعنى ﴿وما يعمر من معمر﴾ من بلغ سن الهرم ولا ينقص من عمره أي من عمر آخر غير هذا الذي بلغ سن الهرم عن عمر هذا الذي بلغ سن الهرم ويجاب عنه بما تقدم.
وقيل المعمر من يبلغ عمره ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين، وقيل غير ذلك من التأويلات التي يردها اللفظ ويدفعها.
وأجابوا عن قوله سبحانه ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ بأن المراد بالأجل الأول النوم والثاني الوفاة، وقيل الأول ما قد انقضى عن عمر كل أحد والثاني ما بقي من عمر كل أحد، وقيل الأول أجل الموت والثاني ما بين موته إلى بعثته، وقيل غير ذلك مما فيه مخالفة للنظم القرآني.
وقال جمع من أهل العلم : إن العمر يزيد وينقص واستدلوا بالآيات المتقدمة فإن المحو والإثبات عامان يتناولان العمر والرزق والسعادة والشقاوة وغير ذلك وقد ثبت عن جماعة من السلف والصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني منهم، وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة، ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم.
وهكذا يدل على هذا المعنى الآية الثانية فإن معناها أنه لا يطول عمر الإنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ، وهكذا يدل قوله تعالى ﴿ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ أن للإنسان أجلين يقضي الله سبحانه بما شاء منهما من زيادة أو نقص.
ويدل على ذلك أيضا ما في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي لفظ في الصحيحين :( من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه ) (٢) وفي لفظ ( من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه ). وفي لفظ صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار.
ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر للعباد بالدعاء كقوله عز وجل ﴿أدعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ وقوله ﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾ وقوله ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ وقوله ﴿واسألوا الله من فضله﴾ والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة وفيها أن الدعاء يدفع البلاء ويرد القضاء كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال ( اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء ) (٣).
وثبت في حديث قنوت الوتر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :( وقني شر ما قضيت ) (٤)، فلو كان الدعاء لا يفيد شيئا وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزلي لكان أمره عز وجل لغوا لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين له، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء وأنه عبادة لغوا لا فائدة فيه.
وهكذا يكون إستعاذته ﷺ من سوء القضاء لغوا لا فائدة فيه، وهكذا يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم :( وقني شر ما قضيت ) لغوا لا فائدة فيه. وهكذا يكون أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتداوي وأن الله سبحانه ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء لغوا لا فائدة فيه مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح عنه ﷺ.
فإن قلت فعلام يحمل ما تقدم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر.
قلت قد أجاب عن ذلك بعض السلف وتبعه بعض الخلف بأن هذه الآية مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره، ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك فإنه قال ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ وقوله سبحانه ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾.
فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر الأجل لم يتأخر ولا يتقدم، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرا أو قطع ما أمره الله به أن يوصل أو انتهك محارم الله سبحانه.
فإن قلت فعلام يحمل قوله عز وجل ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ وقوله سبحانه ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ وكذلك سائر ما ورد في هذا المعنى.
قلت هذه أولا معارضة بمثلها وذلك قوله عز وجل ﴿وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسي : يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه(٥).
وثانيا بإمكان الجمع بحمل مثل قوله ﴿إلا في كتاب﴾ وقوله ﴿لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ على عدم التسبيب من العبد بأسباب الخير من الدعاء وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبيب بأسباب الخير الموجبة بحسن القضاء واندفاع شره، وعلى وقوع التسبيب بأسباب الشر المقتضية لاصابة المكروه ووقوعه على العبد.
وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بسبق القضاء، وأنه قد فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير وكذلك الدعاء، فيحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وتحمل الأحاديث الآخرة على أنه قد وقع من العبد التسبيب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم أو التسبب بأسباب الشر.
فإن قلت قد تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة بأن عمله عز وجل أزلي وأنه قد سبق
١ مسلم ٢٦٤٣ – البخاري ١٥١٤..
٢ مسلم ٢٥٥٨..
٣ مسلم ٢٧٠٧ – البخاري ٢٤٠١..
٤ أبو داود كتاب الوتر باب ٥..
٥ صحيح الجامع الصغير ٤٢٢١..
٢ مسلم ٢٥٥٨..
٣ مسلم ٢٧٠٧ – البخاري ٢٤٠١..
٤ أبو داود كتاب الوتر باب ٥..
٥ صحيح الجامع الصغير ٤٢٢١..