المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿يا بني آدم﴾ الآية، الخطاب في هذه الآية لجميع العالم. و «إن » الشرطية دخلت عليها «ما » مؤكدة. ولذلك جاز دخول النون الثقيلة على الفعل، وإذا لم تكن «ما » لم يجز دخول النون الثقيلة. وقرأ أبي كعب والأعرج «تأتينكم » على لفظ الرسل. «وجاء يقصون » على المعنى.
وكأنه هذا الخطاب لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم ومتحصل منه لحاضري محمد عليه السلام أن هذا حكم الله في العالم منذ أنشأه. و ﴿يأتينكم﴾ مستقبل وضع موضع ماض ليفهم أن الإتيان باق وقت الخطاب لتقوى الإشارة بصحة النبوة إلى محمد ﷺ، وهذا على مراعاة وقت نزول الآية، وأسند الطبري إلى أبي سيار السلمي قال إن الله تعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال ﴿يا بني آدم أما يأتينكم رسل منكم﴾ الآية، قال ثم نظر إلى الرسل فقال ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ ثم بثهم.
قال القاضي أبو محمد : ولا محالة أن هذه المخاطبة في الأزل وقيل المراد بالرسل محمد عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد : من حيث لا نبي بعده، فكأن المخاطبين هم المراد ببني آدم لا غير، إذ غيرهم لم ينله الخطاب، ذكره النقاش. و ﴿يقصون﴾ معناه يسردون ويوردون. و «الآيات » لفظ جامع لآيات الكتب المنزلة وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، وقوله :﴿فمن اتقى وأصلح﴾ يصح أن تكون «من » شرطية وجوابه ﴿فلا خوف عليهم﴾ وهذه الجملة هي في جواب الشرط الأول الذي هو ﴿إما يأتينكم﴾ ويصح أن تكون «من » في قوله ﴿فمن اتقى﴾ موصولة، وكأنه قصد بالكلام تقسيم الناس فجعل القسم الأول ﴿فمن اتقى﴾ والقسم الثاني ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾. وجاء هذا التقسيم بجملته جواباً للشرط في قوله ﴿إما يأتينكم﴾ فكأنه قال إن أتتكم رسل فالمتقون لا خوف عليهم، والمكذبون أصحاب النار، أي هذا هو الثمرة وفائدة الرسالة :﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ [ الأنعام : ١٤٤، الأعراف : ٣٧، يونس : ١٧، الكهف : ١٥ ] أي ليس ثم نفع للمفتري ولا غرض دنياوي. فالآية تبرية للنبي ﷺ، من الافتراء وتوبيخ للمفترين من الكفار. و ﴿لا﴾ في قوله ﴿لا خوف﴾ بمعنى ليس، وقرأ ابن محيصن «لا خوف » دون تنوين، ووجهه إما أن يحذف التنوين لكثرة الاستعمال وإما حملاً على حذفه مع «لا » وهي تبرية ناصبة تشبه حالة الرفع في البناء بحالة النصب، وقيل : إن المراد فلا الخوف، ثم حذفت الألف واللام وبقيت الفاء على حالها لتدل على المحذوف، ونفي الخوف والحزن يعم جميع أنواع مكاره النفس وأنكادها، ويشبه أن يكون الخوف لما يستقبل من الأمور والحزن لما مضى منها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى