غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يتذكرون﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل : ابن عامر. والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف :﴿المص﴾ ه كوفي ﴿للمؤمنين﴾ ه ﴿أولياء﴾ ط ﴿تذكرون﴾ ه ﴿قائلون﴾ ه ﴿ظالمين﴾ ه ﴿المرسلين﴾ ه لا للعطف ﴿غائبين﴾ ه ﴿الحق﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿المفلحون﴾ ه ﴿يظلمون﴾ ه ﴿معايش﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال :﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء : المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً. عن الحسن : يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله. وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض. فإن قيل : العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله :﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] عمل بالقرآن أيضاً. قلنا : بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله :﴿ولا تتبعوا من دونه﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿أولياء﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع. ويجوز أن يكون الضمير في ﴿من دونه﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون الله أولياء. احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس. متابعة غير ما أنزل فلا يجوز. لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله :﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] لأنا نقول : لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله :﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [الكافرون: ٤٤] وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره. أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع. وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥] ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠] وبعموم قوله صلى الله عليه وآله «لا تجتمع أمتي على الضلالة » والفرع لا يكون أقوى من الأصل. أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح. ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية. وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر. ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال :﴿قليلاً ما تذكرون﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا. و«ما » مزيدة لتوكيد القلة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿المص﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿كتاب أنزل على قلبك﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح. وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله. ﴿وكم من قرية﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿فجاءها بأسنا﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿قائلون﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿إنا كنا ظالمين﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله تعالى مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿فلنسئلن الذين أرسل إليهم﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ولنسئلن المرسلين﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿فلنقصن عليهم بعلم﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿وما كنا غائبين﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿والوزن يومئذ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة. ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه. والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله :«ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق» وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿خسروا أنفسهم﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ولقد مكناكم﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿وجعلنا لكم﴾ خاصة ﴿معايش﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية. فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
الوقوف :﴿المص﴾ ه كوفي ﴿للمؤمنين﴾ ه ﴿أولياء﴾ ط ﴿تذكرون﴾ ه ﴿قائلون﴾ ه ﴿ظالمين﴾ ه ﴿المرسلين﴾ ه لا للعطف ﴿غائبين﴾ ه ﴿الحق﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿المفلحون﴾ ه ﴿يظلمون﴾ ه ﴿معايش﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال :﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء : المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً. عن الحسن : يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله. وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض. فإن قيل : العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله :﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] عمل بالقرآن أيضاً. قلنا : بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله :﴿ولا تتبعوا من دونه﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿أولياء﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع. ويجوز أن يكون الضمير في ﴿من دونه﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون الله أولياء. احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس. متابعة غير ما أنزل فلا يجوز. لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله :﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: ٢] لأنا نقول : لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله :﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [الكافرون: ٤٤] وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره. أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع. وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥] ﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠] وبعموم قوله صلى الله عليه وآله «لا تجتمع أمتي على الضلالة » والفرع لا يكون أقوى من الأصل. أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح. ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية. وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر. ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال :﴿قليلاً ما تذكرون﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا. و«ما » مزيدة لتوكيد القلة.