زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ﴾ إن قيل : كيف خاطبه بالإفراد في الآية الأولى، ثم جمع بقوله :﴿اتَّبَعُواْ﴾ فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه لما علم أن الخطاب له ولأمته، حسن الجمع لذلك المعنى.
والثاني : أن الخطاب الأول خاص له ؛ والثاني محمول على الإنذار، والإنذار في طريق القول، فكأنه قال : لتقول لهم منذرا :﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ﴾، ذكرهما ابن الأنباري.
والثالث : أن الخطاب الثاني للمشركين، ذكره جماعة من المفسرين ؛ قال : والذي أنزل إليهم القرآن. وقال الزجاج : الذي أنزل : القرآن وما أتى عن النبي ﷺ، لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى :﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. ﴿لاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ أي : لا تتولوا من عدل عن دين الحق ؛ وكل من ارتضى مذهبا فهو ولي أهل المذهب. وقوله تعالى :﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ما : زائدة مؤكِّدة ؛ والمعنى : قليلا تتذكرون. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم :﴿تَذَكَّرُونَ﴾ مشددة الذال والكاف. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم :﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خفيفة الذال مشددة الكاف. قال أبو علي : من قرأ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بالتشديد، أراد " تَتَذَكَّرُونَ " فأدغم التاء في الذال، وإدغامها فيها حسن، لأن التاء مهموسة، والذال مجهورة ؛ والمجهور أزيد صوتا من المهموس وأقوى ؛ فإدغام الأنقص في الأزيد حسن. وأما حمزة ومن وافقه، فإنهم حذفوا التاء التي أدغمها هؤلاء، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة. وقرأ ابن عامر :﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ بياء وتاء، على الخطاب للنبي ﷺ ؛ والمعنى : قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى