الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ : يجوز في هذه الجملة وجهان، أحدهما : أنها في محل نصب بالقول المتقدم أي : قالوا : ما أغنى وقالوا : أهؤلاء الذين. والثاني : أن تكون جملةً مستقلةً غيرَ داخلةٍ في حيز القول، والمشارُ إليهم على القول الأول هم أهل الجنة، والقائلون ذلك هم أهل الأعراف، والمقولُ لهم هم أهل النار. والمعنى : وقال أهلُ الأعراف لأهل النار : أهؤلاء الذين في الجنة اليوم هم الذين كنتم تَحْلفون إنهم لا يدخلون الجنة، برحمة الله وفضله ادخلوا الجنة أي : قالوا لهم أو قيل لهم : ادخلوا الجنة.
وأمَّا على القول الثاني وهو الاستئناف : فاختُلف في المشار إليه. فقيل : هم أهل الأعراف، والقائلُ ذلك مَلَكٌ يأمره الله بهذا القول، والمقول له هم أهلُ النار. وقيل : المشار إليه هم أهل الجنة، والقائلُ هم الملائكة، والمقولُ له هم أهل النار. وقيل : المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم/ القائلون ذلك أيضاً، والمقول لهم الكفارُ، وقوله " ادخلوا الجنة " من قولةِ أهل الأعراف أيضاً أي : يرجعون فيخاطب بعضُهم بعضاً فيقولون : ادخلوا الجنة. وقال ابن الأنباري :" إن قوله : أهؤلاء الذين أَقْسَمْتم لا ينالهم الله برحمة " من كلام أصحاب الأعراف. وقوله " ادخلوا " من كلام الله تعالى، وذلك على إضمار قول أي : فقال لهم الله : ادخلوه، ونظيره قوله تعالى :﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] فهذا من كلام الملأ، فماذا تأمرون ؟ فهذا من كلام فرعون أي : فقال : فماذا تأمرون ؟.
وقرأ الحسن وابن سيرين :" أَدْخِلوا الجنة " أمراً من أَدْخَل وفيها تأويلان، أحدهما : أن المأمور بالإِدخال الملائكة أي : أَدْخلوا يا ملائكةُ هؤلاء. ثم خاطب البشر بعد خطاب الملائكة فقال : لا خوف عليكم، وتكون الجملة من قوله :" لا خوف " لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها. والثاني : أن المأمور بذلك هم أهل الأعراف والتقدير : أدخلوا أنفسَكم، فحذف المفعولَ في الوجهين. ومثلُ هذه القراءة هنا قولُه تعالى :﴿أَدْخِلُوا آل فرعون﴾ [غافر: ٤٦] وستأتي إن شاء الله، إلا أن المفعولَ هناك مصرَّحٌ به في إحدى القراءتين.
والجملة من قوله " لا خوف " على هذا في محلِّ نصبٍ على الحال أي : أَدْخِلوا أنفسكم غير خائفين. وقرأ عكرمة " دَخَلوا " ماضياً مبنياً للفاعل. وطلحة وابن وثاب والنخعي " أُدْخِلوا " مِنْ أُدْخِل ماضياً مبنياً للمفعول على الإِخبار، وعلى هاتين فالجملة المنفية في محل نصبٍ بقول مقدر، ذلك القولُ منصوبٌ على الحال أي : مقولاً لهم لا خوف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى