الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
والبلد يُطْلَقُ على كل جزءٍ من الأرض عامراً كان أو خراباً، وأنشدوا على ذلك قولَ الأعشى :
وبلدةٍ مثلِ ظَهْر التُّرْسِ مُوْحشةٍللجنِّ بالليل في حافاتِها زَجَلُ
و ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ يجوز أن تكونَ الباءُ سببيةً أو حاليةً. وقوله :" إلا نَكِداً " فيه وجهان أحدُهما : أن ينتصب حالاً أي عَسِراً مُبْطئاً. يقال منه نَكِد يَنْكَد نَكَداً بالفتح فهو نَكِد بالكسر. والثاني : أن ينتصب على أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي : إلا خروجاً نَكَداً. وَصَفَ الخروجَ بالنَّكَد كما يوصف به غيرُه، ويؤيِّده قراءة أبي جعفر ابن القعقاع " إلا نَكَداً " بفتح الكاف. قال الزجاج :" وهي قراءةُ أهل المدينة " وقراءة ابن مصرِّف " إلا نَكْداً " بالسكون وهما مصدران. وقال مكي :" هو تخفيف نَكِد بالكسر مثل كَتْف في كتِف " يقال : رجل نَكِد وأَنْكد. والمَنْكُود : العطاء النَّزْر، وأنشدوا في ذلك :
وأَعْطِ ما أَعْطَيْتَه طَيِّباًلا خيرَ في المَنْكودِ والناكد
وأنشدوا أيضاً :
لا تُنْجزِ الوعدَ إنْ وَعَدْتَ وإنْأَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تافِهاً نَكِدا ؟
وقوله :﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ﴾ كما تقدَّم في نظيره. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر :" يُخْرَج " مبنياً للمفعول. " نباتُه " مرفوعاً لقيامِه مَقامَ الفاعل وهو الله تعالى. وقوله :﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي : والبلد الذي خَبُث، وإنما حُذِف لدلالةِ ما قبلَه عليه، كما أنه قد حُذِف منه الجارُّ في قوله " بإذن ربه "، إذ التقديرُ : والبلد الذي خَبُث لا يَخْرُج بإذن ربه إلا نكداً. ولا بد من مضاف محذوف : إمَّا من الأول تقديره : وبيان الذي خَبُث لا يَخْرُج، وإمَّا من الثاني تقديرُه : والذي خَبُث لا يخرج نباته إلا نكداً. وغايَر بين الموصولين فجاء بالأول بالألف واللام، وفي الثاني جاء بالذي، ووُصِلَتْ بفعل ماضٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى