غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿يغشي﴾ بالتشديد حيث كان : حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد وسهل ويعقوب غير روح. ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات﴾ كلها بالرفع : ابن عامر. الآخرون بالنصب. ﴿الريح﴾ على التوحيد : ابن كثير وحمزة وعلى خلف ﴿نشرا﴾ بالنون وسكون الشين : ابن عامر. وبفتح النون وسكون الشين : حمزة وعلي وخلف وأبو زيد عن المفضل. وبضم الباء الموحدة والشين الساكنة : عاصم غير أبي زيد الباقون بضم النون والشين. ﴿ميت﴾ بالتشديد : أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وحفص والمفضل ﴿نكداً﴾ بفتح الكاف : يزيد. الآخرون بكسرها.
الوقوف :﴿حثيثاً﴾ ط لمن قرأ ﴿والشمس﴾ وما بعده مرفوعات ﴿بأمره﴾ ط ﴿والأمر﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿وخفية﴾ ط ﴿المعتدين﴾ ه للعطف مع الآية. ﴿وطمعاً﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه ﴿رحمته﴾ ط ﴿الثمرات﴾ ط ﴿تذكرون﴾ ه ﴿بإذن ربه﴾ ج للابتداء مع العطف ﴿نكداً﴾ ط ﴿يشكرون﴾ ه.
ثم ضرب الله سبحانه مثلاً للمؤمن والكافر وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرت عليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين. وقيل : ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة. فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان أولى. وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل لمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها الأشجار والأنهار والثمار. ومما يقوّي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في الصفات ؛ فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله تعالى :﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ [المائدة: ٨٣] ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان والنقود، ومنهم من هو العكس. ومما يؤكد هذه المعاني قوله سبحانه وتعالى :﴿بإذن ربه﴾ أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل : يخرج نباته حسناً كاملاً لوقوعه في طباق ﴿نكداً﴾ والنكد الذي لا خير فيه. وتقدير الآية ونبات البلد الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب مرفوعاً مستكناً بعد أن كان مجروراً بارزاً. من قرأ ﴿نكداً﴾ بفتح الكاف فعلى المصدر أي ذا نكد ﴿كذلك﴾ مثل ذلك التصريف نردّد الآيات ونكررها ﴿لقوم يشكرون﴾ نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر لأن الذي سبق ذكره هو أن الله تعالى يرسل الرياح النافعة فيجعلها سبباً للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه مقابتلها بالشكر والله أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال :﴿إن ربكم الله﴾ الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة : الأوّل الأرواح الإنسانية ( ب ) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة.
( ج ) النفوس السماوية الأرضية. ( د ) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار. ( هـ ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه. وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني. والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين. ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض. ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿يغشى﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس. ﴿ألا له الخلق﴾ بواسطة ﴿الأمر﴾ بلا واسطة ﴿ادعوا ربكم تضرعاً﴾ بالجوارح ﴿وخفية﴾ بالقلوب. أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ولا تفسدوا﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط. ﴿وادعوه خوفاً﴾ من الانقطاع ﴿وطمعاً﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال. ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس. والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿كذلك نصرف الآيات﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
التأويل : عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال :﴿إن ربكم الله﴾ الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة : الأوّل الأرواح الإنسانية ( ب ) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة.
( ج ) النفوس السماوية الأرضية. ( د ) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار. ( هـ ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه. وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني. والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين. ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض. ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿يغشى﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس. ﴿ألا له الخلق﴾ بواسطة ﴿الأمر﴾ بلا واسطة ﴿ادعوا ربكم تضرعاً﴾ بالجوارح ﴿وخفية﴾ بالقلوب. أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ولا تفسدوا﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط. ﴿وادعوه خوفاً﴾ من الانقطاع ﴿وطمعاً﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال. ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس. والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿كذلك نصرف الآيات﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
الوقوف :﴿حثيثاً﴾ ط لمن قرأ ﴿والشمس﴾ وما بعده مرفوعات ﴿بأمره﴾ ط ﴿والأمر﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿وخفية﴾ ط ﴿المعتدين﴾ ه للعطف مع الآية. ﴿وطمعاً﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ه ﴿رحمته﴾ ط ﴿الثمرات﴾ ط ﴿تذكرون﴾ ه ﴿بإذن ربه﴾ ج للابتداء مع العطف ﴿نكداً﴾ ط ﴿يشكرون﴾ ه.
ثم ضرب الله سبحانه مثلاً للمؤمن والكافر وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرت عليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين. وقيل : ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعاً منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة. فمن يطلب هذا النفع اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لابد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان أولى. وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقياً وبالعكس، لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل لمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها الأشجار والأنهار والثمار. ومما يقوّي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في الصفات ؛ فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله تعالى :﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ [المائدة: ٨٣] ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان والنقود، ومنهم من هو العكس. ومما يؤكد هذه المعاني قوله سبحانه وتعالى :﴿بإذن ربه﴾ أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل : يخرج نباته حسناً كاملاً لوقوعه في طباق ﴿نكداً﴾ والنكد الذي لا خير فيه. وتقدير الآية ونبات البلد الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب مرفوعاً مستكناً بعد أن كان مجروراً بارزاً. من قرأ ﴿نكداً﴾ بفتح الكاف فعلى المصدر أي ذا نكد ﴿كذلك﴾ مثل ذلك التصريف نردّد الآيات ونكررها ﴿لقوم يشكرون﴾ نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر لأن الذي سبق ذكره هو أن الله تعالى يرسل الرياح النافعة فيجعلها سبباً للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه مقابتلها بالشكر والله أعلم.
( ج ) النفوس السماوية الأرضية. ( د ) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار. ( هـ ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه. وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني. والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين. ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض. ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿يغشى﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس. ﴿ألا له الخلق﴾ بواسطة ﴿الأمر﴾ بلا واسطة ﴿ادعوا ربكم تضرعاً﴾ بالجوارح ﴿وخفية﴾ بالقلوب. أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ولا تفسدوا﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط. ﴿وادعوه خوفاً﴾ من الانقطاع ﴿وطمعاً﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال. ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس. والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿كذلك نصرف الآيات﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.
التأويل : عرّف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية والحكيمية والاستوائية فقال :﴿إن ربكم الله﴾ الآية وإنما خص ستة أيام لأن أنواع المخلوقات ستة : الأوّل الأرواح الإنسانية ( ب ) الملكوتيات منها الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة والمركبة.
( ج ) النفوس السماوية الأرضية. ( د ) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار. ( هـ ) الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها استواء التصرف في العالم وما فيه. وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام اللطيفة القبلة للفيض الرحماني. والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين. ومن أسرار الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالماً صغيراً، فبدنه كالأرض. ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسي، والقلب يقسم فيض الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات ﴿يغشى﴾ أي يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس. ﴿ألا له الخلق﴾ بواسطة ﴿الأمر﴾ بلا واسطة ﴿ادعوا ربكم تضرعاً﴾ بالجوارح ﴿وخفية﴾ بالقلوب. أو تضرعاً بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ الذين يطلبون منه سواه ﴿ولا تفسدوا﴾ في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع الوسائط. ﴿وادعوه خوفاً﴾ من الانقطاع ﴿وطمعاً﴾ في الاصطناع، أو خوفاً من الاثنينية وطمعاً في الوحدة، أو خوفاً من الانفصال وطمعاً في الوصال. ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية سحاباً ثقالاً بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس وحياض الأنس. والبلد الطيب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة ﴿كذلك نصرف الآيات﴾ أي النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه.