اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" أبَلَّغُكُمْ " يجوزُ أن تكون جملة مستأنفة أتى بها لبيانِ كونه رسولاً، ويجوز أن تكون صفةً ل " رَسَولِ "، ولكنَّهُ راعى الضَّمِيرَ السَّابِقَ الذي للمتكلِّم فقال : أبَلِّغُكُمْ، ولو راعى الاسم الظَّاهِرَ لقال : يُبَلِّغكم، والاستعمالان جائزان في كلِّ اسم ظاهرٍ سبقه ضمير حاضر من متكلم، أو مخاطب فتحرَّر لك فيه وجهان :
مراعاةُ الضَّميرِ السَّابِقِ، وهو الأكثر، ومراعاة الاسم الظَّاهر فيقول : أنَا رجلٌ أفعل كذا مراعاة ل " أنا "، وإن شئت أنا رجل يفعل كذا مراعاة لرجُلٍ، ومثله : أنْتَ رجلٌ يفعل وتفعلُ بالخطاب والغيبة.
وقرأ أبو عَمْرو(١) :" أبْلِغُكُمْ " بالتَّخفيف، والباقون بالتَّشديدِ، وهذا الخلافُ جارٍ هنا في الموضعين(٢)، وفي الأحقاف(٣) والتَّضعيف والهمزة للتَّعْدِيَةِ كأنْزَلَ، ونَزَّلَ، وجمع " رسالة " باعتبار أنواعها من أمر ونهي، ووعظ، وزجر، وإنذار، وإعذار، وقد جاء الماضي على أفْعَل في قوله :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: ٥٧] فهذا شاهدٌ لقراءة أبِي عَمْرٍو، وجاء على فعَّل في قوله :﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فهذا شاهدٌ لقراءة الجماعة.
واعلم أنَّهُ ذكر ما هو المقصود من الرِّسالة، وهو أمران : أن يبلغ الرِّسالة، وتقرير النَّصِيحَةِ، والفرقُ بينهما أنَّ تبليغ الرِّسالة معناه : أن يعرفهم أنْوَاعَ تَكَاليفِ اللَّه، وأوامره، ونواهيه، وأمَّا النَّصيحةُ فهو ترغيبهم في الطَّاعَةِ، وتحذيرهم عن المعاصي.
قوله :" وأنْصَحُ لَكُمْ ".
قال الفرَّاءُ : العربُ لا تَكَادُ تقُولُ : نصحتك، إنَّمَا يقولون : نصحتُ لك، ويجوز أيضاً : نَصَحْتُكَ(٤).
قال النابغة :[ الطويل ]
نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَقْبَلُوا نُصْحِيوسُؤلِي، وَلَمْ تَنْجَحْ لَديْهِمْ رَسَائِلِي(٥)

فصل في بيان حقيقة النصح


وحقيقةُ النُّصْحِ الإرْشَادُ إلى المصلحةِ مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى : إنِّي أبَلِّغ لَكُمْ تَكَالِيفَ اللَّهِ، ثمَّ أرشدكم إلى الأصوب، والأصْلَحِ، وأدعوكم إلى ما دَعَانِي، وأحبِّبُ لكم ما أحبه لنفسي(٦).
قوله :﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
قيل : أعلم أنكُم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطُّوفَانِ.
وقيل : أعلم أنَّهُ يعاقبكم في الآخرة عذاباً شديداً، خارجاً عمَّا تتصوَّرُهُ عقولُكمْ.
وقيل : أعلم من توحيد الله وصفاتِ جلالهِ ما لا تعلمون. والمقصود من ذكر هذا الكلام : حملُ القَوْمِ على أنْ يرجعوا إليه في طلب تلك العُلُومِ.
واعلم أنَّ نوحاً - عليه الصلاة والسلام - أزال تعجبهم وقال : إنَّه تعالى خالق الخلق، فله بحكم الإلهية أنْ يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوزُ أن يخاطبهم بتلك التَّكاليف من غير واسطة ؛ لأنَّ ذلك ينتهي إلى حَدِّ الإلجاء، وهو يُنَافِي التَّكْلِيف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسُولُ من الملائكة، لما تقدَّم في " الأنعام " في قوله :﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ [الأنعام: ٩]، فلم يَبْقَ إلا أن إيصال التَّكالِيف إلى الخَلْقِ بواسطة إنسان يبلغهم، وينذرهم ويحذرهم، وهذا جوابُ شُبَهِهم(٧).
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤١٥ وفيه: وقال ابن عباس :"الملؤ، بواو، وكذلك هي في مصاحف الشام"، ولم أجد هذه القراءة لابن عامر في القراءات السبع..
٢ الموضع الثاني في الآية ٦٨..
٣ آية: ٢٣..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٢٣..
٥ ينظر: ديوانه ١٤٣، إصلاح المنطق ص ٢٨١، البحر المحيط ٤/٣٢٥..
٦ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٢٣..
٧ ينظر: الفخر الرازي ١٤/١٢٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى