مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم إنه عليه السلام لما نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها، وهو كونه رسولا إلى الخلق من رب العالمين. ذكر ما هو المقصود من الرسالة، وهو أمران : الأول : تبليغ الرسالة. والثاني : تقرير النصيحة. فقال :﴿أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ﴿أبلغكم﴾ بالتخفيف، من أبلغ، والباقون بالتشديد. قال الواحدي : وكلا الوجهين جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله :﴿فإن تولوا فقد أبلغتكم﴾ والتشديد ﴿فما بلغت رسالته﴾.
المسألة الثانية : الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه : أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه، وأما النصيحة : فهو أنه يرغبه في الطاعة، ويحذره عن المعصية، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه، وقوله :﴿رسالات ربي﴾ يدل على أنه تعالى حمله أنواعا كثيرة من الرسالة. وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا، وقوله :﴿وأنصح لكم﴾ قال الفراء : لا تكاد العرب تقول : نصحتك، إنما تقول : نصحت لك، ويجوز أيضا نصحتك. قال النابغة :
نصحت بني عوف فلم يتقبلوارسولي ولم تنجح لديهم رسائلي
وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى : أني أبلغ إليكم تكاليف الله، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح، وأدعوكم إلى ما دعاني، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي.
ثم قال :﴿وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ وفيه وجوه : الأول : واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان. الثاني : واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقابا شديدا خارجا عما تتصوره عقولكم. الثالث : يجوز أن يكون المراد : واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام : حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى