محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
[ ٧٩ ] ﴿فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ( ٧٩ )﴾.
﴿فتولى﴾ أي فأعرض صالح ﴿عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي﴾ المتضمنة لتخويف العذاب عنه ﴿ونصحت لكم﴾ فأمرتكم بكل خير، ونهيتكم عن كل شر ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾ أي من الرسل والأنبياء والعلماء لمخالفتهم أهويتكم. والظاهر أن صالحا عليه السلام كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم، بعد ما أبصرهم جاثمين، تولي مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم بقوله :﴿يا قوم...﴾ إلخ كذا في ( الكشاف )، أو خاطبهم خطاب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر حيث قال(١) :/ " إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ". – كما رواه البخاري- لا تحزنا، ولكن إعلاما بنصر الله له، وتحقيق رسالته، في حزنهم وتوبيخهم، فإن الأحياء ليسوا بأسمع منهم، ولكن لا يتكلمون. كما في ( الصحيح ). ويجوز عطف قوله ﴿فتولى﴾ على قوله :﴿فأخذتهم الرجفة﴾، فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك، لا بعده. فيكون عليه السلام تولى عنهم تولى ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى علامات نزول العذاب. والمتبادر الأول لظهور الفاء في التعقيب- والله أعلم-.
تنبيهات
الأول : نأثر هنا ما رواه علماء التاريخ والنسب في بسط قصة ثمود. لمكان العظة والاعتبار مفصلا. وإلا، فجلي أن ما أجمله التنزيل الكريم لا غاية وراءه في ذلك، وما سكت عن بيانه من تلك القصص، فلا حاجة إلى السعي وراءه لفقد القطع به، اللهم إلا لزيادة الاتعاظ، وتقوية العبرة، ولذا صح عنه ﷺ أنه قال(٢) :" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ".
وخلاصة ما رووه عن ثمود أن عادا لما هلكت، عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى عبادته تعالى وحده، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، واقترحوا عليه بأن يخرج لهم ناقة عشراء، تمخض من صخرة صماء، عينوها بأنفسهم، وكانت صخرة منفردة في ناحية الجبل، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، / ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا. فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والخباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صعمر بن جلمس، وكان لجندع بن عمرو ابن عم له، شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأعطاهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عنمة بن الزميل، رحمه الله :
وأقامت الناقة وفصيلها، بعدما وضعته، بين أظهرهم مدة، تشرب من بئرها يوما، وتدعه لهم يوما، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى :﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر﴾(٣) وقال تعالى :﴿هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾(٤). وكانت تسرح في بعض تلك الأودية، ترد من فج، وتصدر من غيره، ليسعها. لأنها كانت تتضلع من الماء، وكانت- على ما ذكر- خلقا هائلا، ومنظرا رائعا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها. فلما طال عليهم ذلك، واشتد تكذيبهم لصالح النبي عليه السلام، عزموا على قتلها ليستأثروا بالماء كل يوم. فيقال إنهم اتفقوا كلهم على قتلها. قال قتادة : بلغني أن الذي قتلها طاف عليهم كلهم أنهم راضون لقتلها، حتى على النساء في خدورهن. قال ابن كثير : قلت وهذا هو الظاهر لقوله تعالى :﴿فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها﴾(٥)، / وقال ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾(٦)، وقال :﴿فعقروا الناقة﴾(٧).. فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك- والله أعلم-.
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير(٨)، وغيره من علماء التفسير، أن سبب قتلها أن امرأة من ثمود يقال لها ( عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل، أخي رميل بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم.
وامرأة أخرى يقال لها ( صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا ) سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول. وكان الوادي يقال له ( وادي المحيا ) وهو المحيا الأكبر، جد المحيا الأصغر أبي صدوف.
وكانت صدوف من أحسن الناس، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر.
وكانتا من أشد امرأتين في ثمود عداوة لصالح، وأعظمه به كفرا.
وكانتا تحتالان أن تعقر الناقة مع كفرهما به، لما أضرت به من مواشيهما.
وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له ( صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف ) من بني هلس، فأسلم وحسن إسلامه.
وكانت صدوف قد فوضت إليه ماله، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح، حتى رق المال.
فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوف، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام فأبت عليه وبيتت(٩) له. فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم في بني عبيد، بطنها الذي هي منه.
وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها. فقال لها : ردّي ولدي. فقالت : حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد. فقال لها صنتم : بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد. وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون.
فقالت لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه.
فقال بنو مرداس : والله لتعطنّه ولده طائعة أو كارهة.
فلما رأت ذلك أعطته إياهم.
ثم إن صدوف وعنيزة محلتا(١٠) في عقر الناقة للشقاء الذي نزل. فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له ( الحباب ) لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له ( مصدع بن مهرج بن المحيا ) وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة. وكانت من أحسن الناس، وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك.
ودعت عنيزة بنت غنم ( قدار بن سالف بن جندع ) رجلا من أهل قرح.
وكان قدار رجلا أحمر أزرق قصيرا. يزعمون أنه كان لزنية، من رجل يقال له ( صهياد ) ولم يكن لأبيه ( سالف ) الذي يدعى إليه. ولكنه قد ولد على فراش ( سالف ) كان يدعى له وينسب إليه.
فقالت : أعطيتك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة.
وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو، من أشراف رجال ثمود. وكان قدرا عزيزا منيعا في قومه.
فانطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج، فاستنفرا غواة من ثمود. فاتبعهما سبعة نفر. فكانوا تسعة نفر. أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له، ( هويل بن مبلغ ) خال قدار بن سالف، أخو أمه لأبيها وأمها، وكان عزيزا في أهل حجر. و ( دعير بن غنم بن داعر ) وهو من بني خلاوة بن المهل.
و ( دأب بن مهرج ) أخو مصدع بن مهرج.
وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم.
فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع من أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها.
وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجها، فأسفرت لقدار وأرته إياه. ثم ذمرته(١١) فشد على الناقة بالسيف فخشف(١٢) عرقوبها. فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها. ثم طعن في لبتها فنحرها.
انطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا. ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعا ولاذ بها. واسم الجبل فيما يزعمون ( صنو ) - فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت، قال انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته. فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم ( مصدع بن مهرج ) فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه، ثم جر برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه.
فلما قال لهم صالح : ابشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا له وهم يهزءون به : ومتى ذلك / يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟- وكانوا يسمون الأيام فيهم : الأحد ( أول ) والإثنين ( أهون ) والثلاثاء ( وبار ) والأربعاء ( جبار ) والخميس ( مؤمن ) والجمعة ( العروبة ) والسبت ( شيار ) وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء- فقال لهم صالح حين قالوا له ذلك : تصبحون غداة يوم مؤمن، يعني يوم الخميس، ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة، يعني يوم الجمعة، ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار، يعني يوم السبت، ووجوهكم مسودة. ثم يصبحكم العذاب يوم الأول، يعني يوم الأحد.
فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالحا. إن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته.
فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم مشدّخين قد رضخوا بالحجارة. فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ! ثم هموا به. فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبدا، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون !
فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. والنفر الذين رضخهم الملائكة بالحجارة، التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى(١٣) :﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله :﴿لآية لقوم يعلمون﴾.
فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح، وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب. وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه. وخرج صالح هاربا منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم ( بنو غنم ) فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له ( نفيل ) يكنى بأبي هدب، وهو مشرك، فغيبه، فلم يقدروا عليه.
فغدوا على أصحاب صالح فعذبوهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ( ميدع بن هرم ) : يا نبي الله، إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك ؟ قال : نعم. فدلهم عليه ( ميدع بن هرم ).
فلما علموا بمكان صالح، أتوا أبا هدب فكلموه فقال لهم : عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه وتركوه. وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه.
فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام. فنزل رملة فلسطين وتخلف رجل من أصحابه يقال له ( ميدع بن هرم ) فنزل قرح- وهي وادي القرى، وبين القُرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا- فنزل على سيدهم رجل يقال له ( عمرو بن غنم ) وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشرك في قتلها. فقال له ميدع بن هر
﴿فتولى﴾ أي فأعرض صالح ﴿عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي﴾ المتضمنة لتخويف العذاب عنه ﴿ونصحت لكم﴾ فأمرتكم بكل خير، ونهيتكم عن كل شر ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾ أي من الرسل والأنبياء والعلماء لمخالفتهم أهويتكم. والظاهر أن صالحا عليه السلام كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم، بعد ما أبصرهم جاثمين، تولي مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم بقوله :﴿يا قوم...﴾ إلخ كذا في ( الكشاف )، أو خاطبهم خطاب رسول الله ﷺ أهل قليب بدر حيث قال(١) :/ " إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ". – كما رواه البخاري- لا تحزنا، ولكن إعلاما بنصر الله له، وتحقيق رسالته، في حزنهم وتوبيخهم، فإن الأحياء ليسوا بأسمع منهم، ولكن لا يتكلمون. كما في ( الصحيح ). ويجوز عطف قوله ﴿فتولى﴾ على قوله :﴿فأخذتهم الرجفة﴾، فيكون الخطاب لهم حين أشرفوا على الهلاك، لا بعده. فيكون عليه السلام تولى عنهم تولى ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى علامات نزول العذاب. والمتبادر الأول لظهور الفاء في التعقيب- والله أعلم-.
تنبيهات
الأول : نأثر هنا ما رواه علماء التاريخ والنسب في بسط قصة ثمود. لمكان العظة والاعتبار مفصلا. وإلا، فجلي أن ما أجمله التنزيل الكريم لا غاية وراءه في ذلك، وما سكت عن بيانه من تلك القصص، فلا حاجة إلى السعي وراءه لفقد القطع به، اللهم إلا لزيادة الاتعاظ، وتقوية العبرة، ولذا صح عنه ﷺ أنه قال(٢) :" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ".
وخلاصة ما رووه عن ثمود أن عادا لما هلكت، عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحا عليه السلام، وكانوا قوما عربا، وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى عبادته تعالى وحده، فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، واقترحوا عليه بأن يخرج لهم ناقة عشراء، تمخض من صخرة صماء، عينوها بأنفسهم، وكانت صخرة منفردة في ناحية الجبل، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح عليه السلام إلى صلاته، ودعا الله عز وجل، فتحركت تلك الصخرة، / ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها، كما سألوا. فعند ذلك آمن رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والخباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صعمر بن جلمس، وكان لجندع بن عمرو ابن عم له، شهاب بن خليفة بن محلاة بن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضا فنهاه أولئك الرهط فأعطاهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود يقال له مهوش بن عنمة بن الزميل، رحمه الله :
| وكانت عصبة من آل عمرو | إلى دين النبي دعوا شهابا |
| عزيز ثمود كلهم جميعا | فهم بأن يجيب ولو أجابا |
| لأصبح صالح فينا عزيزا | وماعدلوا بصاحبهم ذؤابا |
| ولكن الغواة من آل حجر | تولوا بعد رشدهم ذبابا |
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير(٨)، وغيره من علماء التفسير، أن سبب قتلها أن امرأة من ثمود يقال لها ( عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل، أخي رميل بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم.
وامرأة أخرى يقال لها ( صدوف بنت المحيا بن دهر بن المحيا ) سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول. وكان الوادي يقال له ( وادي المحيا ) وهو المحيا الأكبر، جد المحيا الأصغر أبي صدوف.
وكانت صدوف من أحسن الناس، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر.
وكانتا من أشد امرأتين في ثمود عداوة لصالح، وأعظمه به كفرا.
وكانتا تحتالان أن تعقر الناقة مع كفرهما به، لما أضرت به من مواشيهما.
وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له ( صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف ) من بني هلس، فأسلم وحسن إسلامه.
وكانت صدوف قد فوضت إليه ماله، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح، حتى رق المال.
فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوف، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه، ودعاها إلى الله وإلى الإسلام فأبت عليه وبيتت(٩) له. فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم في بني عبيد، بطنها الذي هي منه.
وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها. فقال لها : ردّي ولدي. فقالت : حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد. فقال لها صنتم : بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد. وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون.
فقالت لا أنافرك إلا إلى من دعوتك إليه.
فقال بنو مرداس : والله لتعطنّه ولده طائعة أو كارهة.
فلما رأت ذلك أعطته إياهم.
ثم إن صدوف وعنيزة محلتا(١٠) في عقر الناقة للشقاء الذي نزل. فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له ( الحباب ) لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال له ( مصدع بن مهرج بن المحيا ) وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة. وكانت من أحسن الناس، وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك.
ودعت عنيزة بنت غنم ( قدار بن سالف بن جندع ) رجلا من أهل قرح.
وكان قدار رجلا أحمر أزرق قصيرا. يزعمون أنه كان لزنية، من رجل يقال له ( صهياد ) ولم يكن لأبيه ( سالف ) الذي يدعى إليه. ولكنه قد ولد على فراش ( سالف ) كان يدعى له وينسب إليه.
فقالت : أعطيتك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة.
وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو، من أشراف رجال ثمود. وكان قدرا عزيزا منيعا في قومه.
فانطلق قدار بن سالف، ومصدع بن مهرج، فاستنفرا غواة من ثمود. فاتبعهما سبعة نفر. فكانوا تسعة نفر. أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له، ( هويل بن مبلغ ) خال قدار بن سالف، أخو أمه لأبيها وأمها، وكان عزيزا في أهل حجر. و ( دعير بن غنم بن داعر ) وهو من بني خلاوة بن المهل.
و ( دأب بن مهرج ) أخو مصدع بن مهرج.
وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم.
فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل شجرة على طريقها، وكمن لها مصدع من أصل أخرى. فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها.
وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس وجها، فأسفرت لقدار وأرته إياه. ثم ذمرته(١١) فشد على الناقة بالسيف فخشف(١٢) عرقوبها. فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها. ثم طعن في لبتها فنحرها.
انطلق سقبها حتى أتى جبلا منيفا. ثم أتى صخرة في رأس الجبل فزعا ولاذ بها. واسم الجبل فيما يزعمون ( صنو ) - فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت، قال انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته. فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم ( مصدع بن مهرج ) فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه، ثم جر برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه.
فلما قال لهم صالح : ابشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا له وهم يهزءون به : ومتى ذلك / يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟- وكانوا يسمون الأيام فيهم : الأحد ( أول ) والإثنين ( أهون ) والثلاثاء ( وبار ) والأربعاء ( جبار ) والخميس ( مؤمن ) والجمعة ( العروبة ) والسبت ( شيار ) وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء- فقال لهم صالح حين قالوا له ذلك : تصبحون غداة يوم مؤمن، يعني يوم الخميس، ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة، يعني يوم الجمعة، ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار، يعني يوم السبت، ووجوهكم مسودة. ثم يصبحكم العذاب يوم الأول، يعني يوم الأحد.
فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالحا. إن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا يكون قد ألحقناه بناقته.
فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطأوا على أصحابهم، أتوا منزل صالح فوجدوهم مشدّخين قد رضخوا بالحجارة. فقالوا لصالح : أنت قتلتهم ! ثم هموا به. فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم : والله لا تقتلونه أبدا، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون !
فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. والنفر الذين رضخهم الملائكة بالحجارة، التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى(١٣) :﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ إلى قوله :﴿لآية لقوم يعلمون﴾.
فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح، وجوههم مصفرة، فأيقنوا بالعذاب. وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه. وخرج صالح هاربا منهم حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم ( بنو غنم ) فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له ( نفيل ) يكنى بأبي هدب، وهو مشرك، فغيبه، فلم يقدروا عليه.
فغدوا على أصحاب صالح فعذبوهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ( ميدع بن هرم ) : يا نبي الله، إنهم يعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك ؟ قال : نعم. فدلهم عليه ( ميدع بن هرم ).
فلما علموا بمكان صالح، أتوا أبا هدب فكلموه فقال لهم : عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه وتركوه. وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه.
فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة. حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام. فنزل رملة فلسطين وتخلف رجل من أصحابه يقال له ( ميدع بن هرم ) فنزل قرح- وهي وادي القرى، وبين القُرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلا- فنزل على سيدهم رجل يقال له ( عمرو بن غنم ) وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشرك في قتلها. فقال له ميدع بن هر
١ - أخرجه البخاري في: ٢٤- كتاب الجنائز، ٨٧- باب ما جاء في عذاب القبر، حديث ٧٢٦ ونصه:
عن ابن عمر قال: اطلع النبي ﷺ على أهل القليب فقال "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا"؟
فقيل له: تدعو أمواتا؟
فقال "ما أنتم بأسمع منهم. ولكن لا يجيبون"..
٢ - أخرجه البخاري في: ٦٠- باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث ١٦٢٤ ونصه: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"..
٣ - [٥٤/ القمر/ ٢٨]..
٤ - [٢٦/ الشعراء/ ١٥٥] ﴿قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (١٥٥)﴾..
٥ - [٩١/ الشمس/ ١٤]..
٦ - [١٧/ الإسراء/ ٥٩] ونصها: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (٥٩)﴾..
٧ - [٧/ الأعراف/ ٧٧] ونصها: ﴿فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (٧٧)﴾.
٨ - انظر تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل القرآن) الصفحة ٥٣١ من الجزء الثاني عشر (طبعة المعارف)..
٩ - بيتت له: فكرت في الأمر وخمرته ودبرته ليلا..
١٠ - محل به: كاده واحتال في المكر به حتى يوقعه في الهلكة..
١١ - ذمرته: شجعته وحثته وحرضته..
١٢ - خشف رأسه بالحجر: شدخه. وكل ما شدخ فقد خشف..
١٣ - [٢٧/ النمل/ ٤٨-٥٢]..
عن ابن عمر قال: اطلع النبي ﷺ على أهل القليب فقال "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا"؟
فقيل له: تدعو أمواتا؟
فقال "ما أنتم بأسمع منهم. ولكن لا يجيبون"..
٢ - أخرجه البخاري في: ٦٠- باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث ١٦٢٤ ونصه: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"..
٣ - [٥٤/ القمر/ ٢٨]..
٤ - [٢٦/ الشعراء/ ١٥٥] ﴿قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (١٥٥)﴾..
٥ - [٩١/ الشمس/ ١٤]..
٦ - [١٧/ الإسراء/ ٥٩] ونصها: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (٥٩)﴾..
٧ - [٧/ الأعراف/ ٧٧] ونصها: ﴿فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (٧٧)﴾.
٨ - انظر تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل القرآن) الصفحة ٥٣١ من الجزء الثاني عشر (طبعة المعارف)..
٩ - بيتت له: فكرت في الأمر وخمرته ودبرته ليلا..
١٠ - محل به: كاده واحتال في المكر به حتى يوقعه في الهلكة..
١١ - ذمرته: شجعته وحثته وحرضته..
١٢ - خشف رأسه بالحجر: شدخه. وكل ما شدخ فقد خشف..
١٣ - [٢٧/ النمل/ ٤٨-٥٢]..