فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
واللام في ﴿القرى﴾ للعهد، أي :﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى﴾ التي أرسلنا إليها رسلنا ﴿آمَنُواْ﴾ بالرسل المرسلين إليهم ﴿واتقوا﴾ ما صمموا عليه من الكفر، ولم يصرّوا على ما فعلوا من القبائح ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض﴾ أي يسرنا لهم خير السماء والأرض، كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها. قيل المراد بخير السماء : المطر، وخير : الأرض النبات، والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعمّ من ذلك.
ويجوز أن تكون اللام في ﴿القرى﴾ للجنس. والمراد : لو أن أهل القرى أين كانوا، وفي أيّ بلاد سكنوا آمنوا واتقوا إلى آخر الآية. ﴿ولكن كَذَّبُواْ﴾ بالآيات والأنبياء ولم يؤمنوا ولا اتقوا ﴿فأخذناهم﴾ بالعذاب ﴿ب﴾ سبب ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من الذنوب الموجبة لعذابهم. والاستفهام في ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ للتقريع والتوبيخ، وأهل القرى هم أهل القرى : المذكورة قبله، والفاء للعطف، وهو مثل :﴿أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ﴾. وقيل : المراد بالقرى مكة وما حولها، لتكذيبهم للنبي ﷺ، والحمل على العموم أولى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله :﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة﴾ قال : مكان الشدة الرخاء ﴿حتى عَفَواْ﴾ قال : كثروا، وكثرت أموالهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله :﴿حتى عَفَواْ﴾ قال : جَمُّوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضراء والسراء﴾ قال : قالوا قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئاً ﴿فأخذناهم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ﴾ قال : بما أنزل الله ﴿واتقوا﴾ قال : ما حرّمه الله ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض﴾ يقول : أعطتهم السماء بركتها والأرض نباتها. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة، عن موسى الطائفي قال : قال رسول الله ﷺ :«أكرموا الخبز، فإن الله أنزله من بركات السماء، وأخرجه من بركات الأرض» وأخرج البزار والطبراني، قال السيوطي، بسند ضعيف، عن عبد الله ابن أمّ حرام قال : صليت القبلتين مع رسول الله ﷺ وسمعت رسول الله ﷺ يقول :«أكرموا الخبز، فإن الله أنزله من بركات السماء، وسخر له بركات الأرض، ومن تتبع ما يسقط من السفرة، غفر له» وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : كان أهل قريةِ أوسع الله عليهم، حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث الله عليهم الجوع.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله :﴿أَوَ لَمْ نهْدِ﴾ قال : أو لم نبين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله :﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ قال : المشركون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى