اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾.
قيل «ما » بمعنى :«من »، أو بمعنى :«الذي ».
وقيل : مصدرية أقسم بالشخص وفعله.
وقال الزمخشريُّ(١) : فإن قلت : هلا قيل : ومَنْ ولد ؟
قلت : فيه ما في قوله :﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، أي : بأي شيء وضعت، يعني : موضوعاً عجيب الشأن.
وقيل :«ما » : فيحتاج إلى إضمار موصول به يصح الكلام، تقديره : والذي ما ولد، إذ المراد بالوالد، الذي يولد له، «ومَا وَلَد » يعني : العَاقِر الذي لا يُولدُ له، قال معناه ابنُ عبَّاسٍ، وتلميذه ابنُ جبيرٍ وعكرمةُ(٢).

فصل في الكلام على الآية


هذا معطوف على قوله :﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾، وقوله تعالى :﴿وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.
قال ابنُ عباسٍ ومجاهد وقتادةُ والضحاكُ والحسنُ وأبو صالحٍ والطبريُّ : المراد بالوالد : آدم عليه الصلاة والسلام، «ومَا وَلَد » أي : وما نسل من ولده، أقسم بهم ؛ لأنهم أعجب ما خلق تعالى على وجه الأرض، لما فيهم من البنيان، والنُّطق، والتدبير، وإخراج العلوم، وفيهم الأنبياء، والدُّعاة إلى الله تعالى، والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسُّجود لآدم - عليه السلام - وعلمه الأسماء كلَّها، وقد قال تعالى :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(٣) [الإسراء: ٧٠].
وقيل : هو إقسام بآدم، والصالحين من ذريته، وأما الطالحون، فكأنهم بهائم، كما قال تعالى :﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقوله :﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].
وقيل : الوالد : إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [ ذريته.
وقيل : الوالد إبراهيم وإسماعيل، وما ولد محمد ﷺ لأنه أقسم بمكة وإبراهيم ](٤).
قال الفراء : وصلح «ما » للناس، كقوله :﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى :﴿وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى﴾ [الليل: ٣]، وهو خالق الذكر والأنثى.
قال الماورديُّ : ويحتمل أن الوالد : النبي ﷺ لتقدم ذكره، «ومَا وَلَد » : أمته : لقوله عليه الصلاة والسلام، «إنَّما أنَا بِمنزْلَةِ الوَالِدِ أعَلِّمكُمْ »(٥)، فأقسم به وبأمته، بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه عليه الصلاة والسلام.
١ ينظر: الكشاف ٤/٧٥٤..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٨٦) عن عكرمة وابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٨٩٣) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣ أخرجه الطبري (١٢/٥٨٦-٥٨٧) عن مجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٩٣) عن مجاهد وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وذكره عن سعيد بن جبير وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد..

٤ سقط من ب..
٥ أخرجه أبو داود (١/٣) كتاب الطهارة: باب كراهية استقبال القبلة حديث (٨) وابن ماجة (١/١١٤) كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالحجارة حديث (٣١٣) والنسائي (١/٣٧) كتاب الطهارة: باب الاستطابة بالروث..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى