تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قوله :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ آية.
حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو أسامة عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال : أصف كاتب سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا من كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا : هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال : فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبوه حتى أنزل الله على محمد :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾.
حدثنا عصام بن رواد ثنا آدم ثنا المسعودي عن زياد مولى مصعب عن الحسن :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ قال : ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.
أخبرنا محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي فيما كتب إليّ، حدثني أبي ثنا عمي الحسين عن أبيه عن جده عن ابن عباس قوله :
﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس. واتبعوا الشهوات، فلما رجع الله إلى سليمان ملكه وقام الناس على الدين كما كان، وإن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان حدثان ذلك. فظهر الجن والانس على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منا، فأخذوه فجعلوه دينا فأنزل الله عز وجل :﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾ واتبعوا الشهوات التي كانت الشياطين تتلوا وهي المعازف واللعب وكل شئ يصد عن ذكر الله.
حدثنا عصام بن رواد ثنا آدم عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قول الله :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ قال : إن اليهود سألوا النبي - ﷺ عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ إلى آخر الآية. وإن الشياطين كتبوا السحر والكهانة فدفنوه في مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب فلما مات سليمان استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس به، وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه الناس ويحسدهم عليه، فلما أخبرهم رسول الله - ﷺ بهذه الآيات رجعوا وقد خزوا، ودحض الله حجتهم.
حدثنا الحسن بن أحمد ثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور عن الحسن، ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ واتبعته اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض ولم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.
حدثنا أبو زرعة ثنا عمرو بن حماد ثنا أسباط عن السدى :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم فأدخلوا فيه غيره فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنوا من الكرسي إلا احترق.
حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا سلمة بن إسحاق :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ أي في ملك سليمان. يعني اليهود الذين قالوا ما قالوا.
قوله :﴿وما كفر سليمان﴾
حدثنا علي بن حرب الموصلي ثنا القاسم بن يزيد عن سفيان عن حصين عن عمران السلمي- يعني ابن الحارث- عن ابن عباس، قال : لما مات سليمان بن داود قام شيطان، فقال : أنا أدلكم على كنز ليس له مثله، قالوا : وأين هو ؟ قال : تحت كرسيه. قالوا : إن هذا لسحر فتناسختها الأمم فاتخذوها سحرا، فأنزل الله عذر سليمان :﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان﴾ فبقية تلك الأحاديث يتحدث بها أهل العراق. حدثنا أبو زرعة ثنا صفوان ثنا الوليد أخبرني سعيد بن بشير عن قتادة في قول الله :﴿وما كفر سليمان﴾ قال : ما كان عن مشورته ولا أمره.
حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا سلمة عن ابن إسحاق :﴿وما كفر سليمان﴾ أي ما علم بالسحر، والسحر كفر لمن عمل به.
قوله تعالى :﴿ولكن الشياطين كفروا﴾
حدثنا أبو زرعة ثنا صفوان ثنا الوليد أخبرنا سعيد بن بشير عن قتادة في قول الله :﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ ولكنه شئ افتعلته الشياطين، وذكر لنا أن الشياطين ابتدعت كتبا، وكتبت سحرا وأمرا عظيما في الناس وعلموهم إياه.
حدثنا الحسن بن أحمد ثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن :﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ قال : اتباع السحر كفر، وليس من دين سليمان السحر. يقول : ولكن الشياطين كفروا بتركهم دين سليمان، واتباعهم ما تلت الشياطين على ملكه.
حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا سلمة عن ابن إسحاق :﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ أي هم الذين صنعوا ما صنعوا.
قوله :﴿يعلمون الناس السحر﴾
حدثنا أبي ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس :﴿يعلمون الناس السحر﴾ يعني الصحف التي دفنوها.
قوله :﴿وما أنزل على الملكين﴾
حدثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : التفريق بين المرء وزوجه.
الوجه الثاني :
أخبرنا محمد بن سعد بن عطية فيما كتب إليّ حدثني أبي ثنا عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله :﴿وما أنزل على الملكين﴾ فإنه يقول : لم ينزل الله السحر. حدثنا عصام بن رواد ثنا آدم عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال : قال الله :﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : لم ينزل عليهما السحر، يقول : علما الإيمان والكفر. فالسحر من الكفر. فهما ينهيان عنه أشد النهي. وروي عن خالد بن أبي عمران، والربيع بن أنس نحو ذلك.
قوله :﴿على الملكين﴾
حدثت عن عبيد الله بن موسى ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية :﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : ما أنزل على جبريل وميكائيل السحر.
الوجه الثاني :
حدثنا الفضل بن شاذان ثنا محمد بن عيسى ثنا معلي بن أسد ثنا بكر بن مصعب ثنا الحسن بن أبي جعفر أن عبد الرحمن بن أبزي كان يقرؤها ﴿وما أنزل على الملكين داود وسليمان﴾.
الوجه الثالث :
حدثنا الفضل بن شاذان ثنا محمد بن عيسى ثنا إبراهيم بن موسى أنبأ أبو معاوية عن ابن أبي خالد عن عمير بن سعيد عن علي قال : هما ملكان من ملائكة السماء يعني :﴿وما أنزل على الملكين﴾.
الوجه الرابع :
حدثنا محمد بن عمار ثنا إبراهيم بن موسى أنبأ أبي معاوية عن شعيب بن كيسان عن ثابت عن الضحاك في قوله :﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : كان الضحاك يقرؤها :﴿الملكين﴾ قال : هما علجان من أهل بابل.
قوله :﴿ببابل﴾
حدثنا علي بن الحسين ثنا أحمد بن صالح ثنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب قال : إن حبيبي - ﷺ نهاني أن أصلي ببابل فإنها ملعونة.
قوله :﴿هاروت وماروت﴾
حدثنا أبي ثنا هشام بن عبيد الله ثنا ابن المبارك عن معروف المكي عمن سمع أبا جعفر بن علي يقول : السجل ملك. وكان هاروت وماروت أعوانه.
حدثنا عصام بن رواد ثنا آدم ثنا أبو جعفر ثنا الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس قال : لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء : يا رب هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك وقد وقعوا فيما وقعوا فيه وارتكبوا الكفر وقتل الأنفس وأكل مال الحرام والزنا والسرقة وشرب الخمر فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم، فقيل أنهم في غيب فلم يعذروهم، فقيل لهم اختاروا منكم من أفضلكم ملكين أمرهما، وإنها هما فاختاروا هاروت وماروت فاهبطا إلى الأرض، وجعل لهم شهوات بني آدم وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئا ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل مال الحرام وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وأنهما أتيا عليها فخضعا لها القول، وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألا عن دينها فأخرجت لهما صنما، فقالت : هذا أعبده قالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا فذهبا فغبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما، فاختارا أحد الخلال الثلاث. إما أن تعبدا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر، فقالا : كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر فأخذت فيهما، فواقعا المرأة فخشيا أن تخبر الإنسان عنهما فقتلاه فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا به من الخطيئة أراد أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الخطيئة فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض فقيل لهما اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة فقالا : أما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، وأما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان.
حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري ثنا مومل ثنا سفيان الثوري ثنا موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب قال : ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب. فقيل لهم اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت فقال : لهما أهبطا إلى الأرض، وإني لمرسل إلى بني آدم رسلا، وليس بيني وبينكما رسول. لا تشركا بي شيئا، ولا تزنيان ولا تشربان الخمر. قال كعب : فما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه إلى الأرض حتى استكملا جميع ما حرم عليهما.
حدثنا أبي ثنا عبد الله بن جعفر الرقي ثنا عبيد الله - يعني ابن عمر - عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب عن مجاهد. قال : كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر فلما كان ذات ليلة قال لغلامه. انظر طلعت الحمراء لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين - قالت الملائكة : رب كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض ؟ قال : إني قد ابتليتهم فلعلي أن أبتليكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون قالوا : لا. قال : فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت فقال لهما إني مهبطكما إلى الأرض وعاهدا إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا، ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض، وألقى عليهما الشبق وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة فتعرضت لهما

تفسير هذه الآية من كتب أخرى