الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ : هذه الجملةُ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ السابقةِ من قولِه :" ولمَّا جاءَهم " إلى آخرها.
وقال أبو البقاء :" إنها معطوفةٌ على " أُشْرِبوا " أو على " نَبَذَ فريقٌ "، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على " نَبَذَ " يقتضي كونَها جواباً لقولِه :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِّباً على مجيء الرسولِ بل كان اتِّباعُهم لذلك قبله، فالأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم. و " ما " موصولةٌ، وعائدُها محذوفٌ، والتقديرُ : تَتْلوه. وقيل :" ما " نافيةٌ وهذا غَلَطٌ فاحش لا يَقْتَضِيه نَظْمُ الكلامِ البتةَ، نقل ذلك ابنُ العربي. و " يَتْلو " في معنى تَلَتْ فهو مضارعٌ واقعٌ موقعَ الماضي كقوله :
أي : فلقَدْ كان، وقال الكوفيون : الأصلُ : ما كانت تَتْلو الشياطينُ، ولا يريدونَ بذلك أنَّ صلةَ " ما " محذوفةٌ، وهي " كانَتْ "، و " تتلو " في موضعِ الخبرِ، وإنما قَصَدوا تفسيرَ المعنى، وهو نظيرُ :" كانَ زيدٌ يقوم " المعنى على الإِخبار بقيامِه في الزمنِ الماضي
وقرأ الحسن والضحاك :" الشياطُون " إجراءً له مُجْرى جَمْعِ السلامةِ، قالوا : وهو غَلَطٌ. وقال بعضُهم : لَحْنٌ فاحِشٌ. وحكى الأصمعي :" بُستانُ فلانٍ حولَه بَساتُون " وهو يُقَوِّي قراءَةَ الحسن.
قوله :﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فيه قولان : أحدُهما : أنه على معنى في، أي : في زمنِ ملكِه، والمُلْكُ هنا شَرْعُه. والثاني : أَنْ يُضَمَّن تَتْلو معنى : تتقوَّل أي : تتقوَّل على مُلْكِ سليمان، وتَقَوَّل يتعدَّى بعلى، قال تعالى :﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]. وهذا الثاني أَوْلَى، فإن التجَوُّز في الأفعالِ أَوْلَى مِن التجوُّز في الحُروف، وهو مذهبُ البصريينَ كما مَرَّ غيرَ مرة. وإنما أَحْوَجَ إلى هذيْنِ التأويلَيْنِ لأن تلا إذا تعدَّى ب " على " كان المجرورُ ب " على " شيئاً يَصِحُّ أَنْ يُتْلى عليه نحو : تَلَوْتُ على زيدٍ القرآنَ، والمُلْكُ ليس كذلك.
والتلاوةُ : الاتِّباعُ أو القراءةُ وهو قريبٌ منه. وسُلَيمان عَلَمٌ أعجمي فلذلك لم ينصرِفْ. وقال أبو البقاء :" وفيه ثلاثةُ أسبابٍ : العجمةُ والتعريفُ والألفُ والنونُ " وهذا إنما يَثْبُتُ بعد دخولِ الاشتقاقِ فيه والتصريفِ حتى تُعْرَفَ زيادتُهما، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخلان في الأسماء الأعجمية، وكَرَّر قولَه ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بذكرِه ظاهراً تفخيماً له وتعظيما كقوله :
وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.
قوله :﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾ هذه الواوُ عاطفةٌ جملةَ الاستدراكِ على ما قبلَها.
وقرأ ابنُ عامر والكسائيُّ وحمزةُ بتخفيفِ " لكنْ " ورَفْعِ ما بَعْدها، والباقون بالتشديدِ والنصبِ وهو واضحٌ. وأمَّا القراءةُ الأولى فتكونُ " لكنْ " مخففةً من الثقيلة جيء بها لمجرَّدِ الاستدراك، وإذا خُفِّفَتْ لم تَعْمَلْ عند الجمهورِ، ونُقِلَ جوازُ ذلك عن يونسَ والأخفشِ. وهل تكونُ عاطفةً ؟ الجمهورُ على أنَّها تكونُ عاطفةً إذا لم يكنْ معها الواوُ، وكانَ ما بعدَها مفرداً، وذهبَ يونسُ إلى أنها لا تكونُ عاطفةً، وهو قويٌّ، فإنه لم يُسْمَعْ من لسانهم : ما قام زيدٌ لكن عمروٌ، وإن وُجِدَ ذلك في كتب النحويين فمِنْ تمثيلاتِهم، ولذلك لم يُمَثِّل بها سيبويه إلا مع الواو وهذا يَدُلُّ على نَفْيهِ. وأمَّا إذا وقعت بعدها الجملُ فتارةً تقترنُ بالواوِ وتارةً لا تقترنُ، قال زهير :
وقال الكسائي والفراء :" الاختيارُ تشديدُها إذا كانَ قبلَها واوٌ، وتخفيفُها إذا لم يكنْ " وهذا جنوحٌ منهما إلى القولِ بكونِها حرفَ عطفٍ. وأبعدَ مَنْ زَعَم أنها مركبةٌ من ثلاثِ كلماتٍ : لا النافيةِ وكافِ الخطابِ وأَنْ التي للإِثباتِ وإنَّما حُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً.
قوله :﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ " الناسَ " مفعولٌ أولُ، و " السحرَ " مفعولٌ ثانٍ. واختلفوا في هذه الجملةِ على خمسةِ أقوال، أحدُها : أنها حالٌ من فاعل " كفروا "، أي : كفروا مُعَلِّمينَ. الثاني : أنها حالٌ من الشياطين، ورَدَّه أبو البقاء بأنَّ " لكنّ " لا تعملُ في الحال. وليس بشيء فإن " لكنَّ " فيها رائحةُ الفعل. الثالث : أنها في محلِّ رفعٍ على أنَّها خبرٌ ثانٍ للشياطين. الرابعُ : أنها بدلٌ من " كَفروا " أبدلَ الفعلَ من الفعلِ. الخامسُ : أنَّه استئنافيةٌ، أخبرَ عنهم بذلك، هذا إذا أعَدْنا الضميرَ من " يُعَلِّمون " على الشياطين، أمَّا إذا أَعَدْناه على " الذين اتَّبعوا ما تَتْلوا الشياطينُ " فتكونُ حالاً من فاعلِ " اتَّبعوا "، أو استئنافيةً فقط. والسِّحْرُ : كلُّ ما لَطُفَ ودَقَّ. سَحَرَهُ. إذا أبدى له أمراً يَدِقُّ عليه ويَخْفَى. قال :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَدَاءٌ عَراني من حُبابِكِ أَمْ سِحْرُ
ويقال : سَحَره : أي خَدَعَه وعَلَّله، قال امرؤ القيس :
أي : نُعَلَّلُ، وهو في الأصلِ : مصدرٌ يُقال : سَحَرَه سِحْراً، ولم يَجِيءْ مصدرٌ لفَعَل يَفْعَل على فِعْل إلاَّ سِحْراً وفِعْلاً.
قوله :﴿وَمَآ أُنْزِلَ﴾ فيه أربعةُ أقوالٍ أَظْهَرُها / أنَّ " ما " موصولةٌ بمعنى الذي محلُّها النصبُ عطفاً على " السِّحْر "، والتقديرُ : يُعَلِّمُون الناسً السحرَ والمُنَزَّلَ على المَلَكَيْن. الثاني : أنها موصولةٌ أيضاً ومحلها النصبُ لكنْ عطفاً على ﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ والتقديرُ : واتَّبعوا ما تَتْلوا الشياطينُ وما أُنْزِل على المَلَكَيْن وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ، ولا حاجَةَ إلى القولِ بأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً.
الثالث : أنَّ محلَّها الجَرُّ عطفاً على " مُلْكِ سليمان " والتقديرُ : افتراءً على مُلْكِ سُلَيْمان وافتراءً على ما أُنْزِلَ على المَلَكْين. وقال أبو البقاء :" تقديرُه : وعلى عَهْدِ الذي أُنْزِل ". الرابع :" أنَّ " ما " حرفُ نفيٍ، والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ المنفيَّةِ قبلها، وهي ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، والمعنى : وما أُنْزِل على المَلَكَيْنِ إباحةُ السِّحْرِ.
والجمهورُ على فَتْح لام " المَلَكَيْن " على أنَّهما من الملائكة، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن بكَسْرها على أَنَّهما رَجُلانِ من الناسِ، وسيأتي تقريرُ ذلك.
قوله ﴿بِبَابِلَ﴾ متعلِّقٌ بأُنِزِلَ، والباءُ بمعنى " في " أي : في بابل : ويجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المَلَكَيْن أو من الضمير في " أُنْزل " فيتعلَّق بمحذوفٍ، ذَكَر هذين الوجهين أبو البقاء.
وبابل لاَ يَنْصَرِفُ للعُجْمَةِ والعَلَمية، فإنها اسمُ أرضٍ وإنْ شِئْتَ للتأنيث والعَلَمية، وسُمِّيَتْ بذلك قال : لِتَبَلْبُلِ ألسنةِ الخلائقِ بها، وذلك أنَّ اللهَ تعالى أمرَ ريحاً فَحَشَرَتْهُمْ بهذه الأرضِ فلم يَدْرِ أحدٌ ما يقولُ الآخر، ثم فَرَّقَتْهُم الريحُ في البلادِ يتكلَّمُ كلُّ أحدٍ بلغةٍ. والبَلْبَلَةُ : التفرقةُ، وقيل : لَمَّا أُهْبِطَ نوحٌ عليه السلام نَزَلَ فبنى قريةً وسمّاها " ثمانينَ "، فَأَصْبَحَ ذاتَ يوم وقد تَبَلْبَلَتْ ألْسِنتُهم على ثمانينَ لغةً. وقيل : لِتَبَلْبُلِ ألسنةِ الخَلْقِ عند سقوطِ صَرْحِ نمرود.
قوله :﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الجمهورُ على فَتْح تائِهما، واختلف النحويون في إعرابهما، وذلكَ مبنيٌّ على القراءَتَيْنِ في " المَلَكَيْنِ " : فَمَنْ فَتَحَ لامَ " المَلَكَيْنِ " وهم الجمهورُ كان في هاروت وماروتَ أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها : أنَّها بَدَلٌ من " الملَكَيْنِ "، وجُرَّ بالفتحةِ لأنهما لا يَنْصَرِفان للعُجْمةِ والعَلَمِيَّةِ. الثاني : أنهما عطفُ بيانٍ لهما. الثالث : أنهما بدلٌ من " الناس " في قوله :﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ﴾ وهو بدلُ بعضٍ من كلٍ، أَوْ لأنَّ أقلَّ الجمعِ اثنان. الرابع : أنهما بدلٌ من " الشياطين " في قوِه :" ولكنَّ الشياطينَ " في قراءةِ مَنْ نَصَبَ، وتوجيهُ البدلِ كما تقدَّم. وقيل : هاروت وماروت اسمان لقبيلتينِ من الجن فيكونُ بدلَ كلٍ من كلٍ، والفتحةُ على هذين القولَيْنِ للنصْبِ. وأمَّا مَنْ قَرَأَ برفعِ " الشياطين " فلا يكونُ " هاروت وماروت " بدلاً منهم، بل يكونُ منصوباً في هذا القولِ على الذمِّ، أي : أذمُّ هاروتَ وماروتَ من بينِ الشياطينِ كلِّها، كقولِه :
أي : أذمُّ وجوهَ قرودٍ، ومَنْ كَسَرَ لامَهما فيكونان بدلاً منهما كالقولِ الأولِ إلا إذا فُسِّر بداودَ وسليمان - كما ذكره بعضُ المفسِّرين - فلا يكونَانِ بَدَلاً منهما بل يكونانِ متعلِّقين بالشياطين على الوَجْهَيْن السابقين في رفع الشياطين ونَصْبِه، أو يكونان بدلاً من " الناس " كما تقدَّم.
وقرأ الحسن : هاروتُ وماروتُ برفعهما، وهما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي : هما هاروتُ وماروتُ، ويجوز أَنْ يكونا بدلاً من " الشياطين " الأولِ، وهو قولُه :﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ أو الثاني على قراءةِ مَنْ رفَعَه. ويُجْمعان على هَواريت ومَواريت وهَوارِتَة ومَوارِتَة، وليس مَنْ زعم اشتقاقَهما من الهَرْت والمَرْت وهو الكَسْر بمُصيبٍ لعدَمِ انصرافِهِما، ولو كانا مشتقَّينِ كما ذُكِر لانْصَرَفا.
قوله :﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ هذه الجملةُ عَطْفٌ على ما قبلَها. والجمهور على " يُعَلِّمان " مُضَعَّفاً، واختُلِفَ فيه على قَوْلَين : أحدُهما : أنه على بابِه من التعليم. والثاني : أنه بمعنى يُعْلِمان من " أَعْلم "، فالتضعيفُ والهمزةُ متعاقبان، قالوا : لأنَّ المَلَكَيْن لا يُعَلِّمان الناسَ السحرَ، إنما يُعْلِمانِهِم به ويَنْهَيانِهم عنه، وإليه ذَهَبَ طلحة بن مصرف، وكان يقرأ :" يُعْلِمان " من الإِعلام. وممَّن حكى أنتَ تَعَلَّمْ بمعنى اعلَمْ ابنُ الأعرابي وابن الأنباري وأنشدوا قولَ زهير :
وقولَ القطامي.
وقول كعب بن مالكِ :
وقول الآخر :
والضميرُ في " يُعَلِّ
وقال أبو البقاء :" إنها معطوفةٌ على " أُشْرِبوا " أو على " نَبَذَ فريقٌ "، وهذا ليس بظاهر، لأنَّ عطفَها على " نَبَذَ " يقتضي كونَها جواباً لقولِه :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾ واتِّباعُهم لِما تتلو الشياطينُ ليس مترتِّباً على مجيء الرسولِ بل كان اتِّباعُهم لذلك قبله، فالأَوْلَى أن تكونَ معطوفةً على جملةٍ لا كما تقدم. و " ما " موصولةٌ، وعائدُها محذوفٌ، والتقديرُ : تَتْلوه. وقيل :" ما " نافيةٌ وهذا غَلَطٌ فاحش لا يَقْتَضِيه نَظْمُ الكلامِ البتةَ، نقل ذلك ابنُ العربي. و " يَتْلو " في معنى تَلَتْ فهو مضارعٌ واقعٌ موقعَ الماضي كقوله :
| وإذا مَرَرْتَ بقبرِه فاعْقِرْ بِه | كُوَمَ الهِجانِ وكلَّ طَرْفٍ سابحِ |
| وانضَحْ جوانِبَ قبرِه بدِمائِها | فَلَقَدْ يكونُ أخا دمٍ وذَبائحِ |
وقرأ الحسن والضحاك :" الشياطُون " إجراءً له مُجْرى جَمْعِ السلامةِ، قالوا : وهو غَلَطٌ. وقال بعضُهم : لَحْنٌ فاحِشٌ. وحكى الأصمعي :" بُستانُ فلانٍ حولَه بَساتُون " وهو يُقَوِّي قراءَةَ الحسن.
قوله :﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فيه قولان : أحدُهما : أنه على معنى في، أي : في زمنِ ملكِه، والمُلْكُ هنا شَرْعُه. والثاني : أَنْ يُضَمَّن تَتْلو معنى : تتقوَّل أي : تتقوَّل على مُلْكِ سليمان، وتَقَوَّل يتعدَّى بعلى، قال تعالى :﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]. وهذا الثاني أَوْلَى، فإن التجَوُّز في الأفعالِ أَوْلَى مِن التجوُّز في الحُروف، وهو مذهبُ البصريينَ كما مَرَّ غيرَ مرة. وإنما أَحْوَجَ إلى هذيْنِ التأويلَيْنِ لأن تلا إذا تعدَّى ب " على " كان المجرورُ ب " على " شيئاً يَصِحُّ أَنْ يُتْلى عليه نحو : تَلَوْتُ على زيدٍ القرآنَ، والمُلْكُ ليس كذلك.
والتلاوةُ : الاتِّباعُ أو القراءةُ وهو قريبٌ منه. وسُلَيمان عَلَمٌ أعجمي فلذلك لم ينصرِفْ. وقال أبو البقاء :" وفيه ثلاثةُ أسبابٍ : العجمةُ والتعريفُ والألفُ والنونُ " وهذا إنما يَثْبُتُ بعد دخولِ الاشتقاقِ فيه والتصريفِ حتى تُعْرَفَ زيادتُهما، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخلان في الأسماء الأعجمية، وكَرَّر قولَه ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بذكرِه ظاهراً تفخيماً له وتعظيما كقوله :
| لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ | . . . . . . . . . . . . . |
قوله :﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾ هذه الواوُ عاطفةٌ جملةَ الاستدراكِ على ما قبلَها.
وقرأ ابنُ عامر والكسائيُّ وحمزةُ بتخفيفِ " لكنْ " ورَفْعِ ما بَعْدها، والباقون بالتشديدِ والنصبِ وهو واضحٌ. وأمَّا القراءةُ الأولى فتكونُ " لكنْ " مخففةً من الثقيلة جيء بها لمجرَّدِ الاستدراك، وإذا خُفِّفَتْ لم تَعْمَلْ عند الجمهورِ، ونُقِلَ جوازُ ذلك عن يونسَ والأخفشِ. وهل تكونُ عاطفةً ؟ الجمهورُ على أنَّها تكونُ عاطفةً إذا لم يكنْ معها الواوُ، وكانَ ما بعدَها مفرداً، وذهبَ يونسُ إلى أنها لا تكونُ عاطفةً، وهو قويٌّ، فإنه لم يُسْمَعْ من لسانهم : ما قام زيدٌ لكن عمروٌ، وإن وُجِدَ ذلك في كتب النحويين فمِنْ تمثيلاتِهم، ولذلك لم يُمَثِّل بها سيبويه إلا مع الواو وهذا يَدُلُّ على نَفْيهِ. وأمَّا إذا وقعت بعدها الجملُ فتارةً تقترنُ بالواوِ وتارةً لا تقترنُ، قال زهير :
| ٦٤١ - إنَّ ابنَ وَرْقَاءَ لا تُخْشَى بوادِرُهُ | لكنْ وقائِعُه في الحَرْبِ تُنْتَظَرُ |
قوله :﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ " الناسَ " مفعولٌ أولُ، و " السحرَ " مفعولٌ ثانٍ. واختلفوا في هذه الجملةِ على خمسةِ أقوال، أحدُها : أنها حالٌ من فاعل " كفروا "، أي : كفروا مُعَلِّمينَ. الثاني : أنها حالٌ من الشياطين، ورَدَّه أبو البقاء بأنَّ " لكنّ " لا تعملُ في الحال. وليس بشيء فإن " لكنَّ " فيها رائحةُ الفعل. الثالث : أنها في محلِّ رفعٍ على أنَّها خبرٌ ثانٍ للشياطين. الرابعُ : أنها بدلٌ من " كَفروا " أبدلَ الفعلَ من الفعلِ. الخامسُ : أنَّه استئنافيةٌ، أخبرَ عنهم بذلك، هذا إذا أعَدْنا الضميرَ من " يُعَلِّمون " على الشياطين، أمَّا إذا أَعَدْناه على " الذين اتَّبعوا ما تَتْلوا الشياطينُ " فتكونُ حالاً من فاعلِ " اتَّبعوا "، أو استئنافيةً فقط. والسِّحْرُ : كلُّ ما لَطُفَ ودَقَّ. سَحَرَهُ. إذا أبدى له أمراً يَدِقُّ عليه ويَخْفَى. قال :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَدَاءٌ عَراني من حُبابِكِ أَمْ سِحْرُ
ويقال : سَحَره : أي خَدَعَه وعَلَّله، قال امرؤ القيس :
| أرانا مُوضِعِيْنَ لأمرٍ غَيْبٍ | ونُسْحَرُ بالطَّعام وبِالشَّرابِ |
قوله :﴿وَمَآ أُنْزِلَ﴾ فيه أربعةُ أقوالٍ أَظْهَرُها / أنَّ " ما " موصولةٌ بمعنى الذي محلُّها النصبُ عطفاً على " السِّحْر "، والتقديرُ : يُعَلِّمُون الناسً السحرَ والمُنَزَّلَ على المَلَكَيْن. الثاني : أنها موصولةٌ أيضاً ومحلها النصبُ لكنْ عطفاً على ﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ والتقديرُ : واتَّبعوا ما تَتْلوا الشياطينُ وما أُنْزِل على المَلَكَيْن وعلى هذا فما بينهما اعتراضٌ، ولا حاجَةَ إلى القولِ بأنَّ في الكلامِ تقديماً وتأخيراً.
الثالث : أنَّ محلَّها الجَرُّ عطفاً على " مُلْكِ سليمان " والتقديرُ : افتراءً على مُلْكِ سُلَيْمان وافتراءً على ما أُنْزِلَ على المَلَكْين. وقال أبو البقاء :" تقديرُه : وعلى عَهْدِ الذي أُنْزِل ". الرابع :" أنَّ " ما " حرفُ نفيٍ، والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ المنفيَّةِ قبلها، وهي ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾، والمعنى : وما أُنْزِل على المَلَكَيْنِ إباحةُ السِّحْرِ.
والجمهورُ على فَتْح لام " المَلَكَيْن " على أنَّهما من الملائكة، وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن بكَسْرها على أَنَّهما رَجُلانِ من الناسِ، وسيأتي تقريرُ ذلك.
قوله ﴿بِبَابِلَ﴾ متعلِّقٌ بأُنِزِلَ، والباءُ بمعنى " في " أي : في بابل : ويجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المَلَكَيْن أو من الضمير في " أُنْزل " فيتعلَّق بمحذوفٍ، ذَكَر هذين الوجهين أبو البقاء.
وبابل لاَ يَنْصَرِفُ للعُجْمَةِ والعَلَمية، فإنها اسمُ أرضٍ وإنْ شِئْتَ للتأنيث والعَلَمية، وسُمِّيَتْ بذلك قال : لِتَبَلْبُلِ ألسنةِ الخلائقِ بها، وذلك أنَّ اللهَ تعالى أمرَ ريحاً فَحَشَرَتْهُمْ بهذه الأرضِ فلم يَدْرِ أحدٌ ما يقولُ الآخر، ثم فَرَّقَتْهُم الريحُ في البلادِ يتكلَّمُ كلُّ أحدٍ بلغةٍ. والبَلْبَلَةُ : التفرقةُ، وقيل : لَمَّا أُهْبِطَ نوحٌ عليه السلام نَزَلَ فبنى قريةً وسمّاها " ثمانينَ "، فَأَصْبَحَ ذاتَ يوم وقد تَبَلْبَلَتْ ألْسِنتُهم على ثمانينَ لغةً. وقيل : لِتَبَلْبُلِ ألسنةِ الخَلْقِ عند سقوطِ صَرْحِ نمرود.
قوله :﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الجمهورُ على فَتْح تائِهما، واختلف النحويون في إعرابهما، وذلكَ مبنيٌّ على القراءَتَيْنِ في " المَلَكَيْنِ " : فَمَنْ فَتَحَ لامَ " المَلَكَيْنِ " وهم الجمهورُ كان في هاروت وماروتَ أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها : أنَّها بَدَلٌ من " الملَكَيْنِ "، وجُرَّ بالفتحةِ لأنهما لا يَنْصَرِفان للعُجْمةِ والعَلَمِيَّةِ. الثاني : أنهما عطفُ بيانٍ لهما. الثالث : أنهما بدلٌ من " الناس " في قوله :﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ﴾ وهو بدلُ بعضٍ من كلٍ، أَوْ لأنَّ أقلَّ الجمعِ اثنان. الرابع : أنهما بدلٌ من " الشياطين " في قوِه :" ولكنَّ الشياطينَ " في قراءةِ مَنْ نَصَبَ، وتوجيهُ البدلِ كما تقدَّم. وقيل : هاروت وماروت اسمان لقبيلتينِ من الجن فيكونُ بدلَ كلٍ من كلٍ، والفتحةُ على هذين القولَيْنِ للنصْبِ. وأمَّا مَنْ قَرَأَ برفعِ " الشياطين " فلا يكونُ " هاروت وماروت " بدلاً منهم، بل يكونُ منصوباً في هذا القولِ على الذمِّ، أي : أذمُّ هاروتَ وماروتَ من بينِ الشياطينِ كلِّها، كقولِه :
| أَقَارِعُ عَوْفٍ لا أُحاولُ غيرَها | وجوهَ قرودٍ تَبْتَغي مَنْ تُجادِعُ |
وقرأ الحسن : هاروتُ وماروتُ برفعهما، وهما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي : هما هاروتُ وماروتُ، ويجوز أَنْ يكونا بدلاً من " الشياطين " الأولِ، وهو قولُه :﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ أو الثاني على قراءةِ مَنْ رفَعَه. ويُجْمعان على هَواريت ومَواريت وهَوارِتَة ومَوارِتَة، وليس مَنْ زعم اشتقاقَهما من الهَرْت والمَرْت وهو الكَسْر بمُصيبٍ لعدَمِ انصرافِهِما، ولو كانا مشتقَّينِ كما ذُكِر لانْصَرَفا.
قوله :﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ هذه الجملةُ عَطْفٌ على ما قبلَها. والجمهور على " يُعَلِّمان " مُضَعَّفاً، واختُلِفَ فيه على قَوْلَين : أحدُهما : أنه على بابِه من التعليم. والثاني : أنه بمعنى يُعْلِمان من " أَعْلم "، فالتضعيفُ والهمزةُ متعاقبان، قالوا : لأنَّ المَلَكَيْن لا يُعَلِّمان الناسَ السحرَ، إنما يُعْلِمانِهِم به ويَنْهَيانِهم عنه، وإليه ذَهَبَ طلحة بن مصرف، وكان يقرأ :" يُعْلِمان " من الإِعلام. وممَّن حكى أنتَ تَعَلَّمْ بمعنى اعلَمْ ابنُ الأعرابي وابن الأنباري وأنشدوا قولَ زهير :
| تَعَلَّمَنْ هالَعَمْرُ اللهِ ذا قَسَمَاً | فاقْدِرْ بِذَرْعِكِ وانظُرْ أينَ تَنْسَلِكُ |
| تَعَلَّمْ أنَّ بعدَ الغَيِّ رُشْداً | وأَنَّ لذلك الغَيِّ انقِشاعاً |
| تَعَلَّمْ رسولَ اللهِ أنَّك مُدْرِكي | وأنَّ وعيداً منكَ كالأخذِ باليدِ |
| تَعَلَّمْ أنه لا طيرَ إلا | على مُتَطَيِّرٍ وهو الثُّبُورُ |