اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ : هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله :" ولما جاءهم " إلى آخرها.
وقال أبو البقاء : إنها معطوفة على " أشربوا " أو على " نبذ فريق "، وهذا ليس بظاهر ؛ لأن عطفها على " نبذ " يقتضي كونها جواباً لقوله تعالى :
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾.
واتِّباعُهُم لما تتلو الشياطين ليس مترتباً على مجيء الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام بل كان اتباعهم لذلك قبله، فالأولى أن تكون معطوفة على جملة " لما " كما تقدم، و " ما " موصولة، وعائدها محذوف، والتقدير : تتلوه.
وقيل :" ما " نافية، وهو غلط فاحش لا يقتضيه نظم الكلام، [ ذكره ] ابن العربي.
و ﴿يتلو﴾ في معنى " تلت " فهو مضارع واقع موقع الماضي ؛ كقوله :[ الكامل ]
أي : فلقد كان.
وقال الكوفيون : الأصل : وما كانت تتلو الشياطين، ولا يريدون بذلك أن صلة " ما " محذوفة، وهي " كانت " و " تتلو " في موضع الخبر، وإنما قصدوا تفسير المعنى، وهو نظير :" كان زيد يقوم " المعنى على الإخبار، وبقيامه في الزمن الماضي، وقرأ الحسن(٢) والضحاك " الشياطون " إجراء له مجرى جمع السَّلامة، قالوا : وهو غلط. وقال بعضهم : لحن فاحش.
وحكى الأصمعي " بُسْتَانُ فُلاَنٍ حَوْلَهُ بساتون " وهو يقوي قراءة الحسن.
قوله تعالى :﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه على معنى " في "، أي : في زمن ملكه، والمُلْكُ هنا شَرْعه.
والثاني : أن يضمن تتلو معنى تَتقوَّل أي : تتقول على ملك سليمان، وتَقَوَّل يتعدى بعلى، قال تعالى :﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾.
وهذا الثاني أولى، فإن التجوّز في الأفعال أولى من التجوّز في الحروف، وهو مذهب البصْريين كما تقدم وإنما أحْوَجَ إلى هذين التأويلين ؛ لأن تلا إذا تعدَّى ب " على " كان المجرور ب " على " شيئاً يصحّ أن يتلى عليه نحو : تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك.
قال أبو مسلم :" تتلو " أي : تكذب على ملك سليمان يقال : تلا عليه : إذا كذب وتلا عنه إذا صدق. وإذا أبهم جاز الأمران.
قال ابن الخطيب(٣) : أي يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف، والتلاوة : الاتباع أو القراءة وهو قريب منه.
قال أبو العباس المقرئ : و " على " ترد على ثلاثة أوجه :
الأول : بمعنى " في " كهذه الآية.
وبمعنى " اللام "، قال تعالى :﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي : للذي.
وبمعنى " من "، قال تعالى :﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾
[المطففين: ٢] أي : من الناس يستوفون.
و ﴿سليمان﴾ علم أعجمي، فلذلك لم ينصرف.
وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى :" وفيه ثلاثة أسباب : العُجْمة والتَّعريف والألف والنون "، وهذا إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، والتصريف حتى تعرف زيادتها، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخُلان في الأسماء الأعجميّة، وكرر قوله :﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بذكره ظاهراً ؛ تفْخِيماً له، وتعظيماً ؛ كقوله :[ الخفيف ]
وقد تقدم تحقيق ذلك.
المراد بقوله :﴿وَاتَّبَعُوا﴾ هم اليهود.
فقيل : هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام.
وقيل : هم الذين كانوا في زمن سليمان ﷺ من السَّحَرة ؛ لأن أكثر اليهود ينكرون نبوّة سليمان عليه الصلاة والسلام ويعدونه من جُمْلة الملوك في الدنيا، وهؤلاء ربما اعتقدوا فيه أنه إنما وجد الملك العظيم بسبب السحر.
وقيل : إنه يتناول الكل وهو أولى.
قال السّدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والفرقان، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب " آصف " وسِحْر " هاروت وماروت " فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله تعالى :﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السّحر.
واختلفوا في المراد من الشياطين.
فقال المتكلمون من المعتزلة : هم شياطينُ الإنس، وهم المتمرِّدون في الضلال ؛ كقول جرير :[ البسيط ]
وقيل : هم شياطين الإنس والجن.
قال السدي : إن الشياطين كانوا يسترقون السَّمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلقونها إلى الكَهَنَةِ، وقد دوّنوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه الصلاة والسلام وقالوا : إن الجنّ تعلم الغيب، وكانوا يقولون : هذا علم سليمان، وما تم له ملكه إلاَّ بهذا العلم، سخّر الجن والإنس [ والطير ] والريح التي تجري بأمره(٦).
وأما القائلون بأنهم شياطين الإنس فقالوا : روي أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصّه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظَّاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السِّحْر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطّلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلاّ بسبب هذه الأشياء.
إنما أضافوا السِّحْر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام لوجوه :
أحدها : أضافوه تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم.
وثانيها : أن اليهود كانوا يقولون : إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب السّحر.
وثالثها : أنه تعالى لما سخر الجن لسليمان، فكان يخالطهم، ويستفيد منهم أسراراً عجيبة غلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم فقوله تعالى :﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تنزيه له عليه الصلاة والسلام عن الكفر، وذلك يدلّ على أن القوم نسبوه إلى الكُفْرِ والسحر، فروي عن بعض أَحْبَار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد عليه الصَّلاة والسَّلام يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن السَّحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان، فبرأه الله تعالى من ذلك، وبين أن الذي برأه الله منه لاصق بغيره، وهو قوله تعالى :" وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ ".
هذه الواو عاطفة جملة الاستدراك على ما قبلها.
وقرأ ابن عامر(٧)، والكسائي وحمزة بتخفيف " لكن " ورفع ما بعدها، والباقون بالتشديد، والنصب وهو واضح.
وأما القراءة الأولى، فتكون " لكن " مخففة من الثقيلة جيء بها لمجرّد الاستدراك، وإذا خففت لم تعمل عند الجمهور ونُقِل جواز ذلك عن يونس
[ والأخفش. وهل تكون عاطفة ؟ الجمهور على أنها تكون عاطفة إذا لم يكن معها " الواو "، وكان ما بعدها مفرداً وذهب يونس ](٨) إلاَّ أنها لا تكون عاطفةً وهو قوي، فإنه لم يسمع في لسانهم : ما قام زيد لكن عمرو، وإن وجد ذلك في كتب النحاة(٩) فمن تمثيلاتهم، ولذلك لم يمثل بها سيبويه رحمه الله إلا مع الواو وهذا يدل على نفيه.
وأما إذا وقعت بعدها الجمل فتارة تقترن بالواو، وتارة لا تقترن.
قال زهير :[ البسيط ]
وقال الكسائي والفراء : الاختيار تشديدها إذا كان قبلها " واو " وتخفيفها إذا لم يكن، وهذا جنوح منهما إلى القول بكونها حرف عَطْف، وأبعد من زعم أنها مركّبة من ثلاث كلمات : لا النافية، وكاف الخطاب، وإن التي للإثبات، وإنما حذفت الهمزة تخفيفاً.
قوله :﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ " الناس " مفعول أول، و " السِّحْر " مفعول ثان، واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال :
أحدها : أنها حال من فاعل " كفروا " أي مُعَلِّمين.
الثاني : أنها حال من الشياطين، وردّه أبو البقاء رحمه الله تعالى بأن " لكن " لا تعمل في الحال، وليس بشيء فإن " لكن " فيها رائحة الفعل.
الثالث : أنها في محلّ رفع على أنها خبر ثان للشياطين.
الرابع : أنها بَدَلٌ من " كفروا " أبدل الفعل من الفعل.
الخامس : أنها استئنافية، أَخْبر عنهم بذلك، هذا إذا أعدنا الضمير من " يعملون " على الشَّيَاطين.
أما إذا أعدناه على " الذين اتَّبَعُوا ما تتلوا الشَّياطين " فتكون حالاً من فاعل " اتبعوا "، أو استئنافية فقط.
والسِّحْر : كلّ ما لَطف ودَقَّ سِحْرُهُ، إذا أَبْدَى له أمراً يدقُّ عليه ويخفى.
قال :[ الطويل ]
ويقال : سَحَرَهُ : أي خَدَعَهُ وعلَّله ؛ قال امرؤ القيس :[ الوافر ]
أي : نُعَلَّلُ، وهو في الأصل : مصدر يقال : سَحَرَهُ سِحْراً، ولم يجئ مصدر ل " فَعَلَ " يَفْعَلُ على فِعْلٍ إلا سِحْراً وَفِعْلاً.
والسَّحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مَجَاريه، والسّحر هو الرئة وما تعلق بالحُلْقُوم [ ومنه قول عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري ] (١٣)وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء.
ومنه قوله تعالى :﴿إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب بدليل قولهم :﴿مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾
[الشعراء: ١٥٤]، ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا.
وقال تعالى :﴿فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦].
وقال تعالى :﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، والسّحر في عرف الشرع مختصّ بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التَّمويه والخداع، وهو عند الإطلاق يذم فاعله، ويستعمل مقيداً فيما يمدح وينفع، فقال رسول الله ﷺ " إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً ".
فسمى النبي ﷺ بعض البيان سحراً ؛ لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته، فعلى [ هذا ] يكون قوله عليه الصلاة والسلام :" إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً " خرج مخرج المدح.
وقال جماعة من أهل العلم : خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسّحر يدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام :" فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ".
و
وقال أبو البقاء : إنها معطوفة على " أشربوا " أو على " نبذ فريق "، وهذا ليس بظاهر ؛ لأن عطفها على " نبذ " يقتضي كونها جواباً لقوله تعالى :
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾.
واتِّباعُهُم لما تتلو الشياطين ليس مترتباً على مجيء الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام بل كان اتباعهم لذلك قبله، فالأولى أن تكون معطوفة على جملة " لما " كما تقدم، و " ما " موصولة، وعائدها محذوف، والتقدير : تتلوه.
وقيل :" ما " نافية، وهو غلط فاحش لا يقتضيه نظم الكلام، [ ذكره ] ابن العربي.
و ﴿يتلو﴾ في معنى " تلت " فهو مضارع واقع موقع الماضي ؛ كقوله :[ الكامل ]
| ٦٩٢- وَإِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِهِ فَاعْقِرْ بِهِ | كُومَ الهِجَانِ وَكُلَّ طَرْفٍ سَابِحِ |
| وانْضَحْ جَوَانِبَ قَبْرهِ بِدِمَائِهَا | فَلَقَدْ يَكُونُ أَخَا دَمٍ وَذَبَائِحِ(١) |
وقال الكوفيون : الأصل : وما كانت تتلو الشياطين، ولا يريدون بذلك أن صلة " ما " محذوفة، وهي " كانت " و " تتلو " في موضع الخبر، وإنما قصدوا تفسير المعنى، وهو نظير :" كان زيد يقوم " المعنى على الإخبار، وبقيامه في الزمن الماضي، وقرأ الحسن(٢) والضحاك " الشياطون " إجراء له مجرى جمع السَّلامة، قالوا : وهو غلط. وقال بعضهم : لحن فاحش.
وحكى الأصمعي " بُسْتَانُ فُلاَنٍ حَوْلَهُ بساتون " وهو يقوي قراءة الحسن.
قوله تعالى :﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنه على معنى " في "، أي : في زمن ملكه، والمُلْكُ هنا شَرْعه.
والثاني : أن يضمن تتلو معنى تَتقوَّل أي : تتقول على ملك سليمان، وتَقَوَّل يتعدى بعلى، قال تعالى :﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾.
وهذا الثاني أولى، فإن التجوّز في الأفعال أولى من التجوّز في الحروف، وهو مذهب البصْريين كما تقدم وإنما أحْوَجَ إلى هذين التأويلين ؛ لأن تلا إذا تعدَّى ب " على " كان المجرور ب " على " شيئاً يصحّ أن يتلى عليه نحو : تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك.
قال أبو مسلم :" تتلو " أي : تكذب على ملك سليمان يقال : تلا عليه : إذا كذب وتلا عنه إذا صدق. وإذا أبهم جاز الأمران.
قال ابن الخطيب(٣) : أي يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف، والتلاوة : الاتباع أو القراءة وهو قريب منه.
قال أبو العباس المقرئ : و " على " ترد على ثلاثة أوجه :
الأول : بمعنى " في " كهذه الآية.
وبمعنى " اللام "، قال تعالى :﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي : للذي.
وبمعنى " من "، قال تعالى :﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾
[المطففين: ٢] أي : من الناس يستوفون.
و ﴿سليمان﴾ علم أعجمي، فلذلك لم ينصرف.
وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى :" وفيه ثلاثة أسباب : العُجْمة والتَّعريف والألف والنون "، وهذا إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، والتصريف حتى تعرف زيادتها، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخُلان في الأسماء الأعجميّة، وكرر قوله :﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بذكره ظاهراً ؛ تفْخِيماً له، وتعظيماً ؛ كقوله :[ الخفيف ]
| ٦٩٣- لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ | . . . (٤) |
فصل في المراد بقوله تعالى :﴿واتبعوا﴾.
المراد بقوله :﴿وَاتَّبَعُوا﴾ هم اليهود.
فقيل : هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام.
وقيل : هم الذين كانوا في زمن سليمان ﷺ من السَّحَرة ؛ لأن أكثر اليهود ينكرون نبوّة سليمان عليه الصلاة والسلام ويعدونه من جُمْلة الملوك في الدنيا، وهؤلاء ربما اعتقدوا فيه أنه إنما وجد الملك العظيم بسبب السحر.
وقيل : إنه يتناول الكل وهو أولى.
قال السّدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والفرقان، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب " آصف " وسِحْر " هاروت وماروت " فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله تعالى :﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السّحر.
واختلفوا في المراد من الشياطين.
فقال المتكلمون من المعتزلة : هم شياطينُ الإنس، وهم المتمرِّدون في الضلال ؛ كقول جرير :[ البسيط ]
| ٦٩٤- أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانُ مِنْ غَزَلِي | وَكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا(٥) |
قال السدي : إن الشياطين كانوا يسترقون السَّمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلقونها إلى الكَهَنَةِ، وقد دوّنوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه الصلاة والسلام وقالوا : إن الجنّ تعلم الغيب، وكانوا يقولون : هذا علم سليمان، وما تم له ملكه إلاَّ بهذا العلم، سخّر الجن والإنس [ والطير ] والريح التي تجري بأمره(٦).
وأما القائلون بأنهم شياطين الإنس فقالوا : روي أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصّه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظَّاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السِّحْر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطّلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلاّ بسبب هذه الأشياء.
فصل في الباعث على نسبتهم السحر لسليمان
إنما أضافوا السِّحْر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام لوجوه :
أحدها : أضافوه تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم.
وثانيها : أن اليهود كانوا يقولون : إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب السّحر.
وثالثها : أنه تعالى لما سخر الجن لسليمان، فكان يخالطهم، ويستفيد منهم أسراراً عجيبة غلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم فقوله تعالى :﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تنزيه له عليه الصلاة والسلام عن الكفر، وذلك يدلّ على أن القوم نسبوه إلى الكُفْرِ والسحر، فروي عن بعض أَحْبَار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد عليه الصَّلاة والسَّلام يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن السَّحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان، فبرأه الله تعالى من ذلك، وبين أن الذي برأه الله منه لاصق بغيره، وهو قوله تعالى :" وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ ".
هذه الواو عاطفة جملة الاستدراك على ما قبلها.
وقرأ ابن عامر(٧)، والكسائي وحمزة بتخفيف " لكن " ورفع ما بعدها، والباقون بالتشديد، والنصب وهو واضح.
وأما القراءة الأولى، فتكون " لكن " مخففة من الثقيلة جيء بها لمجرّد الاستدراك، وإذا خففت لم تعمل عند الجمهور ونُقِل جواز ذلك عن يونس
[ والأخفش. وهل تكون عاطفة ؟ الجمهور على أنها تكون عاطفة إذا لم يكن معها " الواو "، وكان ما بعدها مفرداً وذهب يونس ](٨) إلاَّ أنها لا تكون عاطفةً وهو قوي، فإنه لم يسمع في لسانهم : ما قام زيد لكن عمرو، وإن وجد ذلك في كتب النحاة(٩) فمن تمثيلاتهم، ولذلك لم يمثل بها سيبويه رحمه الله إلا مع الواو وهذا يدل على نفيه.
وأما إذا وقعت بعدها الجمل فتارة تقترن بالواو، وتارة لا تقترن.
قال زهير :[ البسيط ]
| ٦٩٥- إنَّ ابْنَ وَرْقَاءَ لاَ تُخْشَى بَوَادِرُهُ | لَكِنْ وَقَائِعُهُ في الحَرْبِ تُنتَظَرُ(١٠) |
قوله :﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ " الناس " مفعول أول، و " السِّحْر " مفعول ثان، واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال :
أحدها : أنها حال من فاعل " كفروا " أي مُعَلِّمين.
الثاني : أنها حال من الشياطين، وردّه أبو البقاء رحمه الله تعالى بأن " لكن " لا تعمل في الحال، وليس بشيء فإن " لكن " فيها رائحة الفعل.
الثالث : أنها في محلّ رفع على أنها خبر ثان للشياطين.
الرابع : أنها بَدَلٌ من " كفروا " أبدل الفعل من الفعل.
الخامس : أنها استئنافية، أَخْبر عنهم بذلك، هذا إذا أعدنا الضمير من " يعملون " على الشَّيَاطين.
أما إذا أعدناه على " الذين اتَّبَعُوا ما تتلوا الشَّياطين " فتكون حالاً من فاعل " اتبعوا "، أو استئنافية فقط.
والسِّحْر : كلّ ما لَطف ودَقَّ سِحْرُهُ، إذا أَبْدَى له أمراً يدقُّ عليه ويخفى.
قال :[ الطويل ]
| ٦٩٦-. . . | أَدَاءٌ عَرَانِي مِنْ حُبَابِكِ أمْ سِحْرُ(١١) |
| ٦٩٧- أَرَانَا مُوضِعِينَ لأَمْرٍ غَيْبٍ | ونُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وبِالشَّرَابِ(١٢) |
والسَّحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مَجَاريه، والسّحر هو الرئة وما تعلق بالحُلْقُوم [ ومنه قول عائشة رضي الله عنها توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري ] (١٣)وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء.
ومنه قوله تعالى :﴿إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب بدليل قولهم :﴿مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾
[الشعراء: ١٥٤]، ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا.
وقال تعالى :﴿فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦].
وقال تعالى :﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، والسّحر في عرف الشرع مختصّ بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التَّمويه والخداع، وهو عند الإطلاق يذم فاعله، ويستعمل مقيداً فيما يمدح وينفع، فقال رسول الله ﷺ " إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً ".
فسمى النبي ﷺ بعض البيان سحراً ؛ لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته، فعلى [ هذا ] يكون قوله عليه الصلاة والسلام :" إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً " خرج مخرج المدح.
وقال جماعة من أهل العلم : خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسّحر يدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام :" فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ".
و
١ - البيتان لزياد الأعجم. ينظر الأمالي للقالي: ٣/١١، ابن الشجري: ١/٣٠٤، الخزانة: ٤/١٩٢، القرطبي: ٢/٣٠، البيان في غريب القرآن: ١/١١٣، الدر المصون: ١/٣١٨..
٢ - انظر الشواذ: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٤، والدر المصون: ١/٣١٩، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤١٠..
٣ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٨٥..
٤ - تقدم..
٥ - ينظر ديوانه: ١/١٦٥، القرطبي: ٢/٣٠، مجمع البيان: ١/٣٩٢..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٤٠٥-٤٠٦) عن السدي، وذكره ابن كثير في "التفسير" (١/٢٤٩)..
٧ - انظر الكشف: ١/٢٥٦، والسبعة: ١٦٧، وحجة القراءات: ١٠٨، والحجة: ٢/١٦٩، ١٧٠، والعنوان: ٧١، وشرح الطيبة: ٤/٥٣، وشرح شعلة: ٢٧١، وإتحاف: ١/٤١٠..
٨ - سقط في أ..
٩ - في ب: النحويين..
١٠ - ينظر ديوانه: ٣٠٦، والجنى الداني: ص ٥٨٩، والدرر: ٦/١٤٤، وشرح التصريح: ٢/١٤٧، وشرح شواهد المغني: ٢/٧٠٣، واللمع: ١٨٠، ومغني اللبيب: ١/٢٩٢، والمقاصد النحوية: ٤/١٧٨، وأوضح المسالك: ٣/٣٨٥، وهمع الهوامع: ٢/١٣٧، وشرح الأشموني: ٢/٤٢٧، والدر المصون: ١/٣١٩..
١١ - عجز بيت لأبي عطاء السندي وصدره:
فوالله ما أدري وإني لصادق
ينظر شواهد البحر: ١/٤٨٧، اللسان (حبب)، الدر المصون: ١/٣٢٠..
١٢ - ينظر ديوانه: (٤٣)، اللسان (سحر)، البحر: ١/٤٨٧، مجمع البيان: ١/٣٨٤، الدر المصون: ١/٣٢٠..
١٣ - سقط في ب..
٢ - انظر الشواذ: ١٦، والمحرر الوجيز: ١/١٨٥، والبحر المحيط: ١/٤٩٤، والدر المصون: ١/٣١٩، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٤١٠..
٣ - ينظر الفخر الرازي: ٣/١٨٥..
٤ - تقدم..
٥ - ينظر ديوانه: ١/١٦٥، القرطبي: ٢/٣٠، مجمع البيان: ١/٣٩٢..
٦ - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/٤٠٥-٤٠٦) عن السدي، وذكره ابن كثير في "التفسير" (١/٢٤٩)..
٧ - انظر الكشف: ١/٢٥٦، والسبعة: ١٦٧، وحجة القراءات: ١٠٨، والحجة: ٢/١٦٩، ١٧٠، والعنوان: ٧١، وشرح الطيبة: ٤/٥٣، وشرح شعلة: ٢٧١، وإتحاف: ١/٤١٠..
٨ - سقط في أ..
٩ - في ب: النحويين..
١٠ - ينظر ديوانه: ٣٠٦، والجنى الداني: ص ٥٨٩، والدرر: ٦/١٤٤، وشرح التصريح: ٢/١٤٧، وشرح شواهد المغني: ٢/٧٠٣، واللمع: ١٨٠، ومغني اللبيب: ١/٢٩٢، والمقاصد النحوية: ٤/١٧٨، وأوضح المسالك: ٣/٣٨٥، وهمع الهوامع: ٢/١٣٧، وشرح الأشموني: ٢/٤٢٧، والدر المصون: ١/٣١٩..
١١ - عجز بيت لأبي عطاء السندي وصدره:
فوالله ما أدري وإني لصادق
ينظر شواهد البحر: ١/٤٨٧، اللسان (حبب)، الدر المصون: ١/٣٢٠..
١٢ - ينظر ديوانه: (٤٣)، اللسان (سحر)، البحر: ١/٤٨٧، مجمع البيان: ١/٣٨٤، الدر المصون: ١/٣٢٠..
١٣ - سقط في ب..