تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾.
قوله :﴿واتبعوا﴾ عطف على جملة الشرط وجوابه في قوله :﴿ولما جاءهم رسول من عند الله﴾ [البقرة: ١٠١] الآية بذكر خصلة لهم عجيبة وهي أخذهم بالأباطيل بعد ذكر خصلة أخرى وهي نبذهم للكتاب الحق، فذلك هو مناسبة عطف هذا الخبر على الذي قبله. فإن كان المراد بكتاب الله في قوله :﴿كتاب الله وراء ظهورهم﴾ [البقرة: ١٠١] القرآن فالمعنى أنهم لما جاءهم رسول الله مصدقاً لما معهم نبذوا كتابه بعلة أنهم متمسكون بالتوراة فلا يتبعون ما خالف أحكامها وقد اتبعواما تتلو الشياطين على ملك سليمان وهو مخالف للتوراة لأنها تنهى عن السحر والشرك فكما قيل لهم فيما مضى ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب﴾ [البقرة: ٨٥] يقال لهم أفتؤمنون بالكتاب تارة وتكفرون به تارة أخرى. وإن كان المراد بكتاب الله التوراة فالمعنى لما جاءهم رسول الله نبذوا ما في التوراة من دلائل صدق هذا الرسول وهم مع ذلك قد نبذوها من قبل حين ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ مع أن ذلك مخالف لأحكام التوراة.
قال القرطبي : قال ابن إسحاق لما ذكر النبيء ﷺ سليمان في الأنبياء قالت اليهود : إن محمداً يزعم أن سليمان نبيء وما هو بنبيء ولكنه ساحر فنزلت هذه الآية.
و ﴿الشياطين﴾ يحتمل أن يكونوا شياطين من الجن وهو الإطلاق المشهور، ويحتمل أن يراد به ناس تمردوا وكفروا وأتوا بالفظائع الخفية فأطلق عليهم الشياطين على وجه التشبيه كما في قوله تعالى :﴿وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن﴾ [الأنعام: ١١٢] وقرينة ذلك قوله :﴿يعلمون الناس السحر﴾ فإنه ظاهر في أنهم يدرسونه للناس وكذلك قوله بعده :﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ إذ هذا الاستدراك في الإخبار يدل على أنهم من الإنس لأن كفر الشياطين من الجن أمر مقرر لا يحتاج للإخبار عنه.
وعن ابن إسحاق أيضاً أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبوا أصنافاً من السحر وقالوا : من أحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا لأصناف من السحر وختموه بخاتم يشبه نقش خاتم سليمان ونسبوه إليه ودفنوه وزعموا أن سليمان دفنه وأنهم يعلمون مدفنه ودلوا الناس على ذلك الموضع فأخرجوه فقالت اليهود : ما كان سليمان إلا ساحراً وما تم له الملك إلا بهذا.
وقيل كان آصف ابن برخيا كاتب سليمان يكتب الحكمة بأمر سليمان ويدفن كتبه تحت كرسي سليمان لتجدها الأجيال فلما مات سليمان أغرت الشياطين الناس على إخراج تلك الكتب وزادوا في خلال سطورها سحراً وكفراً ونسبوا الجميع لسليمان فقالت اليهود : كفر سليمان.
والمراد من الآية مع سبب نزولها إن نزلت عن سبب أن سليمان عليه السلام لما مات انقسمت مملكة إسرائيل بعده بقليل إلى مملكتين إحداهما مملكة يهوذا وملكها رحبعام ابن سليمان جعلوه ملكاً بعد أبيه وكانت بنو إسرائيل قد سئمت ملك سليمان لحمله إياهم على ما يخالف هواهم فجاءت أعيانهم وفي مقدمتهم يربعام بن نباط مولى سليمان ليكلموا رحبعام قائلين : إن أباك قاس علينا وأما أنت فخفف عنا من عبودية أبيك لنطيعك فأجابهم اذهبوا ثم ارجعوا إلي بعد ثلاثة أيام واستشار رحبعام أصحاب أبيه ووزراءه فأشاروا عليه بملاينة الأمة لتطيعه.
واستشار أصحابه من الفتيان فأشاروا عليه أن يقول للأمة إن خنصري أغلظ من متن أبي فإذا كان أبي قد أدبكم بالسياط فأنا أؤدبكم بالعقارب فلما رجع إليه شيوخ بني إسرائيل في اليوم الثالث وأجابهم بما أشار به الأحداث خلعت بنو إسرائيل طاعته وملكوا عليهم يربعام ولم يبق على طاعة رحبعام إلا سبطا يهوذا وبنيامن واعتصم رحبعام بأورشليم وكل أمته لا تزيد على مائة وثمانين ألف محارب يعني رجالاً قادرين على حمل السلاح وانقسمت المملكة من يومئذ إلى مملكتين مملكة يهوذا وقاعدتها أورشليم، ومملكة إسرائيل ومقرها السامرة، وذلك سنة ٩٧٥ قبل المسيح كما قدمناه عند الكلام على قوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين﴾ [البقرة: ٦٢] الآية ولا يخفى ما تكون عليه حالة أمة في هذا الانتقال فإن خصوم رحبعام لما سلبوا منه القوة المادية لم يغفلوا عما يعتضد به من القوة الأدبية وهي كونه ابن سليمان بن داود من بيت الملك والنبوءة والسمعة الحسنة فلم يأل أعداؤه جهدهم من إسقاط هاته القوة الأدبية وذلك بأن اجتمع مدبرو الأمر على أن يضعوا أكاذيب عن سليمان يبثونها في العامة ليقضوا بها وطرين أحدهما نسبة سليمان إلى السحر والكفر لتنقيص سمعة ابنه رحبعام كما صنع دعاة الدولة العباسية فيما وضعوه من الأخبار عن بني أمية والثاني تشجيع العامة الذين كانوا يستعظمون ملك سليمان وابنه على الخروج عن طاعة ابنه بأن سليمان ما تم له الملك إلا بتلك الأسحار والطلاسم وأنهم لما ظفروا بها فإنهم يستطيعون أن يؤسسوا ملكاً يماثل ملك سليمان كما صنع دعاة انقلاب الدول في تاريخ الإسلام من وضع أحاديث انتظار المهدي وكما يفعلونه من بث أخبار عن الصالحين تؤذن بقرب زوال الدولة. ولا يخفى ما تثيره هذه الأوهام في نفوس العامة من الجزم بنجاح السعي وجعلهم في مأمن من خيبة أعمالهم ولحاق التنكيل بهم فإذا قضى الوطر بذلك الخبر التصق أثره في الناس فيبقى ضر ضلاله بعد اجتناء ثماره.
والاتباع في الأصل هوالمشي وراء الغير ويكون مجازاً في العمل بقول الغير وبرأيه وفي الاعتقاد باعتقاد الغير تقول اتبع مذهب مالك واتبع عقيدة الأشعري، والاتباع هنا مجاز لا محالة لوقوع مفعوله مما لا يصح اتباعه حقيقة.
والتلاوة قراءة المكتوب والكتاب وعرض المحفوظ عن ظهر قلب وفعلها يتعدى بنفسه ﴿يتلون عليكم آيات﴾ [الزمر: ٧١] فتعديته بحرف الاستعلاء يدل على تضمنه معنى تكذب أي تتلو تلاوة كذب على ملك سليمان كما يقال تقوّل على فلان أي قال عليه ما لم يقله، وإنما فهم ذلك من حرف ( على ).
والمراد بالملك هنا مدة الملك أو سبب الملك بقرينة أن التلاوة لا تتعلق بنفس الملك وحذف المضاف مع ما يدل على تعيين الوقت شائع في كلام العرب كقولهم وقع هذا في حياة رسول الله أو في خلافة عمر بن الخطاب وقول حميد بن ثور :
وما هي إلا في إزار وعِلقةمُغارَ ابن همام على حي خثعما(١)
يريد أزمان مغار ابن همام. وكذلك حذف المضاف إذا أريد به الحوادث أو الأسباب كما تقول تكلم فلان على خلافة عُمر أو هذا كتاب في مُلك العباسيين وذلك أن الاسم إذا اشتهر بصفة أو قصة صح إطلاقه وإرادة تلك الصفة أو القصة بحيث لو ظهرت لكانت مضافة إلى الاسم، قال النابغة :
* وليلٍ أقاسيه بطىء الكواكب *
أراد متاعب ليل لأن الليل قد اشتهر عند أهل الغرام بأنه وقت الشوق والأرق.
والشياطين قيل أريد بها شياطين الإنس أي المضللون وهو الظاهر. وقيل : أريدت شياطين الجن. وأل للجنس على الوجهين. وعندي أن المراد بالشياطين أهل الحيل والسحرة كما يقولون فلان من شياطين العَرب وقد عد من أولئك ناشب الأعور أحد رجال يوم الوقيط.
وقوله :﴿تتلوا﴾ جاء بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية على ما قاله الجماعة، أو هو مضارع على بابه على ما اخترناه من أن الشياطين هم أحبارهم فإنهم لم يزالوا يتلون ذلك فيكون المعنى أنهم اتبعوا اعتقدوا ما تلته الشياطين ولم تزل تتلوه.
وسليمان هو النبيء سليمان بن داود بن يسي من سبط يهوذا ولد سنة ١٠٣٢ اثنتين وثلاثين وألف قبل المسيح وتوفي في أورشليم سنة ٩٧٥ خمس وسبعين وتسعمائة قبل المسيح وولي ملك إسرائيل سنة ١٠١٤ أربع عشرة وألف قبل المسيح بعد وفاة أبيه داود النبيء ملك إسرائيل، وعظم ملك بني إسرائيل في مدته وهو الذي أمر ببناء مسجد بيت المقدس وكان نبيئاً حكيماً شاعراً وجعل لمملكته أسطولاً بحرياً عظيماً كانت تمخر سفنه البحار إلى جهات قاصية مثل شرق إفريقيا.
وقوله :﴿وما كفر سليمان﴾ جملة معترضة أثار اعتراضها ما أشعر به قوله :﴿ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ من معنى أنهم كذبوا على سليمان ونسبوه إلى الكفر فهي معترضة بين جملة ﴿واتبعوا﴾ وبين قوله :﴿وما أنزل على الملكين﴾ إن كان ﴿وما أنزل﴾ معطوفاً على ﴿ما تتلوا﴾ وبين ﴿اتبعوا﴾ وبين ﴿ولقد علموا لَمَن اشتراه﴾ إلخ إن كان ﴿وما أنزل﴾ معطوفاً على السحر، ولك أن تجعله معطوفاً على ﴿واتبعوا﴾ إذا كان المراد من الشياطين أحبار اليهود لأن هذا الحكم حينئذ من جملة أحوال اليهود لأن مآله واتبعوا وكفروا وما كفر سليمان ولكنه قدم نفي كفر سليمان لأنه الأهم تعجيلاً بإثبات نزاهته وعصمته ولأن اعتقاد كفره كان سبب ضلال للذين اتبعوا ما كتبته الشياطين فلا شك أن حكم الأتباع وحكم المتبوعين واحد فكان خبراً عن اليهود كذلك.
وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم فقد جاء في سفر الملوك الأول أن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات قلبَه إلى آلهتهن مثل ( عشتروت ) إله الصيدونيين ( ومُولوك ) إله العمونيين ( الفينيقيين ) وبنى لهاته الآلهة هياكل فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن إله إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى.
وقوله :﴿يعلمون الناس السحر﴾ حال من ضمير ﴿كفروا﴾ والمقصد منه تشنيع حال كفرهم إذ كان مصحوباً بتعليم السحر على حد قوله : كفرٌ دون كفر فهي حال مؤسسة.
والسحر الشعوذة وهي تمويه الحيل بإخفائها تحت حركات وأحوال يظن الرائي أنها هي المؤثرة مع أن المؤثر خفي قال تعالى :﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] ولذلك أطلق السحر على الخديعة تقول : سحرت الصبي إذا عللته بشيء، قال لبيد :
فإن تسألينا فيم نحن فإنناعصافيرُ من هذا الأنامِ المسحّر
ثم أطلق على ما علم ظاهره وخفي سببه وهو التمويه والتلبيس وتخييل غير الواقع واقعاً وترويج المحال، تقول العرب : عنز مسحورة إذا عظم ضرعها وقل لبنها وأرض مسحورة لا تنبت، قال أبو عطاء :
فوالله ما أدري وإني لصادقأداء عراني من حبابك أم سحر
أي شيء لا يعرف سببه. والعرب تزعم أن الغيلان سحرة الجن لما تتشكل به من الأشكال وتعرضها للإنسان.
والسحر من المعارف القديمة التي ظهرت في منبع المدنية الأولى أعني ببلاد المشرق فإنه ظهر في بلاد الكلدان والبابلين وفي مصر في عصر واحد وذلك في القرن الأربعين قبل المسيح مما يدل على أنها كانت في تينك الأمتين من تعاليم قوم نشأوا قبلهما فقد وجدت آثار مصرية سحرية في عصر العائلة الخامسة من الفراعنة والعائلة السادسة ( ٣٩٥١ ٣٧٠٣ ) ق. م.
وللعرب في السحر خيال واسع وهو أنهم يزعمون أن السحر يقلب الأعيان ويقلب القلوب ويطوع المسحور للساحر ولذلك كانوا يقولون إن الغول ساحرة الجن ولذلك تتشكل للرائي بأشكال مختلفة. وقالت قريش : لما رأوا معجزات رسول الله : إنه ساحر، قال الله تعالى :﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ [القمر: ٢] وقال الله تعالى :﴿ولوفتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ [الحجر: ١٤، ١٥]. وفي حديث البخاري عن عمران بن حصين أن القوم عطشوا في سفر مع رسول الله فطلبوا الماء فوجدوا امرأة على بعير لها مزادتان م
١ - العلقة بكسر العين قميص بلا كمين وهو أول ثوب يتخذ للصبيان..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى