الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج سفيان بن عينية وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب عليها ألف كذبة فاشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فاطلع الله على ذلك سليمان بن داود فأخذها فقذفها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال : ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع ؟ قالوا : نعم. فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر فقال ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان. . .﴾ الآية.
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا، وقالوا : هذا الذي كان سليمان يعمل به، فاكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع إلى سليمان ملكه وقام الناس على الدين، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي حدثان ذلك، فظهر الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه عنا، فأخذوه فجعلوه دينا، فأنزل الله ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ أي الشهوات التي كانت الشياطين تتلو، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من شأنه، أعطى الجرادة وهي امرأته خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذلك اليوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس، فجاءها سليمان فقال : هاتي خاتمي. فقالت : كذبت لست سليمان. فعرف أنه بلاء ابتلي به، فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرؤوها على الناس وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، فبرئ الناس من سليمان وأكفروه حتى بعث الله محمدا ﷺ، وأنزل عليه ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾.
وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال : قال اليهود : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحرا يركب الريح، فأنزل الله ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين. . .﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : إن اليهود سألوا النبي ﷺ زمانا عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا هذا أعلم بما أنزل علينا منا، وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين. . .﴾ الآية. وأن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا وأدحض الله حجتهم.
وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال : كان لسليمان إذا نبتت الشجرة قال : لأي داء أنت ؟ فتقول : لكذا وكذا. فلما نبتت الشجرة الخرنوبة قال : لأي شيء أنت ؟ قالت : لمسجدك أخربه. فلم يلبث أن توفي، فكتب الشياطين كتابا فجعلوه في مصلى سليمان، فقالوا : نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به، فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب، فغذا فيه سحر ورقى، فأنزل الله ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ إلى قوله ﴿وما أنزل على الملكين﴾ وذكر أنها في قراءة أبي ( وما يتلى على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) سبع مرار، فإن أبى إلا أن يكفر علماه فيخرج منه نور حتى يسطع في السماء قال : المعرفة التي كان يعرف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز قال : أخذ سليمان من كل دابة عهدا، فإذا أصيب رجل فيسأل بذلك العهد خلي عنه، فرأى الناس بذلك السجع والسحر وقالوا : هذا كان يعمل به سليمان. فقال الله ﴿وما كفر سليمان﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ﴿ما تتلو﴾ قال : ما تتبع.
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله ﴿ما تتلو الشياطين﴾ قال : يراد ما تحدث.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله ﴿على ملك سليمان﴾ يقول : في ملك سليمان.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ﴿وما كفر سليمان﴾ يقول : ما كان عن مشورته ولا عن رضا منه ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه
﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾ فالسحر سحران، سحر تعلمه الشياطين، وسحر يعلمه هاروت وماروت.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : هذا سحر خاصموه به، فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصنع وعمل به كان سحرا.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : أما السحر فإنما يعلمه الشياطين، وأما الذي يعلمه الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : التفرقة بين المرء وزوجه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : لم ينزل الله السحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في الآية قال : هما ملكان من ملائكة السماء.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبزى. إنه كان يقرؤها ( وما أنزل على الملكين داود وسليمان ).
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك. أنه قرأ ﴿وما أنزل على الملكين﴾ وقال : هما علجان من أهل بابل.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس ﴿وما أنزل على الملكين﴾ يعني جبريل وميكائيل ﴿ببابل هاروت وماروت﴾ يعلمان الناس السحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿وما أنزل على الملكين﴾ قال : ما أنزل على جبريل وميكائيل السحر.
وأما قوله تعالى :﴿ببابل﴾
أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي قال :" إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة ".
وأخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر من طريق نعيم بن سالم - وهو متهم - عن أنس بن مالك قال : لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحا شرقية وغربية وقبلية وبحرية فجمعتهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له، إذ نادى مناد : من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء. فقام يعرب بن قحطان فقيل له : يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو، فكان أول من تكلم بالعربية، فلم يزل المنادي ينادي : من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لسانا، وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل، وكان اللسان يومئذ بابليا، وهبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة البأس، حتى انتهوا إلى العراق فقال بعضهم لبعض : افترقوا. فقال ملك الإيمان : أنا أسكن المدينة ومكة. فقال ملك الحياء : أنا أسكن معك. وقال ملك الشفاء : أسكن البادية. فقال ملك الصحة : وأنا معك. وقال ملك الجفاء : وأنا أسكن المغرب. فقال ملك الجهل. وأنا معك. وقال ملك السيف : أنا أسكن الشام. فقال ملك البأس : وأنا معك. وقال ملك الغنى : أنا أقيم ههنا. فقال ملك المروءة : أنا معك. فقال ملك الشرف : وأنا معكما. فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق.
وأخرج ابن عساكر بسند فيه مجاهيل عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ﷺ " إن الله عز وجل خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة اشياء، خلق الجدب وأردفه الزهد وأسكنه الحجاز، وخلق العفة وأردفها الغفلة وأسكنها اليمن، وخلق الرزق وأردفه الطاعون وأسكنه الشام، وخلق الفجور وأردفه الدرهم وأسكنه العراق ".
وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن يسار قال : كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل. فكتب إليه يا أمير المؤمنين أنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء : أريد اليمن. فقال حسن الخلق : أنا معك. وقال الجفاء : أريد الحجاز. فقال الفقر : أنا معك. قال البأس : أريد الشام. فقال السيف : أنا معك. وقال العلم : أريد العراق. فقال العقل : أنا معك. وقال الغنى : أريد مصر. فقال الذل : أنا معك. فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين، فلما ورد الكتاب على عمر قال : العراق إذن، فالعراق إذن.
وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن جابر قال : أخبرت أن الإسلام قال : أنا لاحق بأرض الشام. قال الموت : وأنا معك. قال الملك : وأنا لاحق بأرض العراق. قال القتل : وأنا معك. قال الجوع : وأنا لاحق بأرض العرب. قالت الصحة : وأنا معك.
وأخرج ابن عساكر عن دغفل قال : قال المال : أنا أسكن العراق. فقال الغدر : أنا أسكن معك. وقالت الطاعة : أنا أسكن الشام. فقال الجفاء : أنا أسكن معك. وقالت المروءة : أنا أسكن الحجاز. فقال الفقر : وأنا أسكن معك.
وأما قوله تعالى :﴿هاروت وماروت﴾ قد تقدم حديث ابن عمر في قصة آدم وبقيت آثار أخر.
أخرج سعيد وابن جرير والخطيب في تاريخه عن نافع قال : سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال : يا نافع انظر هل طلعت الحمراء ؟ قلت : لا مرتين أو ثلاثا، ثم قلت : قد طلعت. قال : لا مرحبا بها ولا أهلا. قلت : سبحان الله. . . ! نجم مسخر سامع مطيع ؟ قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ قال " إن الملائكة قالت : يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال : إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال : فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت فنزلا، فالقى الله عليهم الشبق. قلت : وما الشبق ؟ قال : الشهوة. فجاءت امرأة يقال لها الزهرة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر : هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي ؟ قال : نعم، فطلباها لأنفسهما فقالت : لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان به فأبيا، ثم سألاها أيضا فأبت ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتهما، ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما فقال : إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه. فقال أحدهما لصاحبه : إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة. فأوحى الله إليهما : أن ائتي

تفسير هذه الآية من كتب أخرى