الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
﴿وَاتَّبَعُواْ﴾ يعني اليهود. ﴿مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ أي ما تلت الشياطين.
كقول الشاعر :
وحكي عن الحسين بن الفضل إنّه سئل عن هذه الآية فقال : هو مختصر مضمر تقديره واتبعوا ما كانت تتلوا الشياطين أي تقرأه.
قال ابن عبّاس : يتبع ويعمل به.
عطاء وأبو عبيدة : يحدّث ويتكلم به.
يمان : ترويه.
وقرأ الحسن : الشياطون بالواو في موضع الرفع في كل القرآن.
قال الثعلبي : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا حامد الخارزنجي يقول : وسئل عن قراءة الحسن ؟
قال : هو فن وحسن عند أكثر أهل الأدب.
غير أن الأصمعي زعّم إنّه سمع أعرابياً يقول : بستان فلان حوله بساتون. ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي في ملكه وعهده كقول أبي النّجم : فهي على الأفق كعين الأحول. أي في الأفق.
والملك تمام القدرة واستحكامها.
قال [. . . الزجاج ] : في قصّة الآية هي أنّ الشياطين كتبوا السّحر والنيرنجات على لسان آصف. هذا ما علّم آصف ابن برخيا سليمان الملك ثمّ وضعوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلمّا مات استخرجوها من تحت مصلاّه.
وقالوا النّاس : إنّما ملككم سليمان بهذا فتعلّموه فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وإنّ كان هذا علمه لقد هلك سليمان.
وأمّا السفلة فقالوا : هذا علم سليمان فأقبلوا على تعلّمه ورفضوا كتب أنبياءهم وفشت الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتّى بعث الله تعالى محمّداً ﷺ وأنزل عذر سليمان عليه السلام على لسانه وأظهر براءته عمّا رُمي به فقالوا :﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ الآية. هذا قول الكعبي.
وقال السّدي : كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد السّمع فيستمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا كذباً وزوراً في كلّ سبعين كلمة سبعين كلمة ويخبرونهم بذلك فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني اسرائيل أن الجن تعلم الغيب فبعث في النّاس فجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيّه وقال : لا أسمع أحداً يقول إنّ الشياطين تعلم الغيب إلاّ ضربت عنقه فلمّا مات سليمان وذهب العلماء الّذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثّل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال : هل أدلّكم على كنز لا ينفذ أبداً.
قالوا : نعم. قال : فأحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وقام ناحية وقالوا : أدُن. فقال : لا ولكن هاهنا فان لم تجدوه فاقتلوني وذلك إنّهم لم يكن أحدٌ من الشياطين يدنو من الكرسي إلاّ احترق فحفروا فوجدوا تلك الكتب فلمّا أخرجوها. قال الشيطان : إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والأنس والطيّر بهذا ثمّ طار الشيطان وذهب وفشا في النّاس أنّ سليمان كان ساحراً فاتّخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ولذلك فكثير ما يوجد السحر في اليهود فلمّا جاء محمّد ﷺ خاصمه اليهود بها فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك وأنزل هذه الآية.
وقال عكرمة : كان سليمان عليه السلام لا يصبح يوماً إلاّ نبتت في محرابه في بيت المقدس شجرة فيسألها : ما اسمك ؟
فتقول الشجرة : إسمي كذا، فيقول : لأيّ داء أنتِ ؟
فتقول : لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع وترفع في الخزانة وتغرس منها في البساتين حتّى بعثت الخرنوبة الشّامية فقال لها : ما أنت ؟
قالت أنا الخرنوبة. قال : لأي شيء نبتّ ؟ قالت : لخراب مسجدك. قال سليمان : ما كان الله ليخرّبه وأنا حي أنت الّذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها فغرسها في حائط له فلم تنبت إلى أن توفّي فجعل النّاس يقولون في رضاهم : لو كان لنا مثل سليمان، وكتبت الشياطين كتاباً فجعلوه في مصلّى سليمان.
فقالوا للنّاس : من يدّلكم على ما كان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر ورقيّ فأنزل الله في هذه الآية ما تفعل الشياطين واليهود على نبيّه محمّد ﷺ ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بالسحر فانّ السحر كفر.
﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾ قرأ أهل الكوفة والشام بتخفيف النون ورفع الشياطين وكذلك في الأيمان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
الباقون : بالتشديد ونصب ما بعده، ولكن كلمة لها معنيان نفي الخبر الماضي واثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث كلمات أصلها لا كان لا نفي والكاف خطاب وإنّ نصب ونسق فذهبت الهمزة استثقالاً وهي تثقّل وتخفف فإذا ثقلت نصب بها مابعدها من الاسماء كما تنصب بإن الثقيلة فإذا خففها رفعت بها ما ترفع بأنْ الخفيفة. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ قال بعضهم : السحر العلم والخطابة دليله قوله : بان السّاحر : أي العالم.
وقال بعضهم : هو التمويه بالشيء حتّى يتوهم المتوّهم إنّه شيء ولا حقيقة له كالسراب غير من رآه وأخلف من رجاه قال الله تعالى :﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ محل ما بعد اتباع التعليم عليه معناه لا يعلمون الذي أنُزل على الملكين أي [. . . . . . ] ويجوز أن يكون نصباً بالاتباع تقديره : واتبعوا ما أنُزل على الملكين، وجعل بعضهم ما جحداً وحينئذ لا محل له يعني لم ينزل السّحر على الملكين كما زعم اليهود، وإنّما يعلِّمونهم [. . . . . . من ذات ] أنفسهم والقول الأوّل أصح.
وقرأ ابن عبّاس والحسن والضحّاك ويحيى بن أبي كثير : ملِكين بكسر اللام، وقالوا : هما رجلان ساحران كانا ببابل من الملائكة لا يعلمون النّاس السحر، وفسرهما الحسن فقال : غلجان ببابل وهي بابل عراق وسمّي بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها. أو ان الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقى بتعلم السحر منهما فيكفر به ومن سعد بتركه فيبقى على الإيمان فيزداد المعلمان بالتعليم عذاباً ففيه ابتلاء المعلم والمتعلّم والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء كما يشاء فله الأمر والحكم.
وقال الخليل بن أحمد : إنّما سمّيت بابل لأنّ الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحاً فحفرتهم من كل أفق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم فلم يدري أحد ما يقول الآخر، ثمّ فرقتهم تلك الرّيح في البلاد وهو لا ينصرف ؛ لأنّه اسم موضع معروف. ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان سريانيان في محل الخفض على تفسير الملكين بدلاً منهما إلاّ أنّهما نصباً لعجمتهما ومعرفتهما وكانت قصتيهما على ما ذكره ابن عبّاس والمفسرون : إنّ الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك في زمن إدريس فعيروهم بذلك، ودعتْ عليهم قالوا : هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم فهم يعصونك.
فقال الله عزّ وجلّ لهم : لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوه. فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنّا أن نعصيك. قال الله تعالى : اختاروا ملكين من خياركم ثمّ اهبطوهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وما روت وكانا من أصلح الملائكة وأخصهم.
قال الكلبي : قال الله تعالى لهم : اختاروا ثلاثة : عزّا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت. غيَّر اسمهما لما قارفا الذنب كما غير اسم إبليس وعزائيل فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم. فاهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين النّاس بالحقّ، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحقّ والزنا وشرب الخمر وأما عزائيل فأنّه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربّه، وسأله أن يرفعه إلى السّماء، فأقاله ورفعه، فسجد اربعين سنة، ثمّ رفع رأسه ولم يزل بعد ذلك مطأطئاً رأسه حياءاً من الله عزّ وجلّ.
وأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يغضبان من النّاس يومهما فإذا أمسياً ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء.
قال قتادة : فما مر عليهما شهر حتّى افتتنا قالوا جميعاً وذلك انهم اختصم عليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النّساء. قال علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) وكانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها. فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها وانصرفت، ثمّ عادت في اليوم الثاني. ففعلا مثل ذلك. فأبت وقالت : لا إلاّ أن تعبدا ما أعُبد وتُصليا لهذا الصّنم وتقتلا النّفس وتشربا الخمر فقالا : لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله قد نهانا عنها. فانصرفت ثمّ عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها. فراوداها عن نفسها. فعرضت عليهما ما قالت بالأمس. فقالا : الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النّفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فانتعشا ووقعا بالمرأة وزنيا. فلما فرغا رآهما أنسان فقتلاه.
قال الربيع بن أنس : سجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكباً وقال عليّ بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) والسّدي والكلبي : إنّها قالت لهما : لن تدركاني حتّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء. فقالا : بسم الله الأكبر. قالت : فما أنتما تدركاني حتّى تعلمانيه. فقال أحدهما لصاحبه : علّمها. قال : فأنّي أخاف الله.
قال الآخر : فأين رحمة الله فعلماهما ذلك. فتكلّمت به وصعدت إلى السّماء فمسخها الله كوكباً.
فعلى قول هؤلاء هي الزّهرة بعينها وقيدوها. فقالوا : هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسيّة ناهيد، وبالنبطية بيذخت يدلّ على صحة هذا القول ما روى جابر عن الطفيل عن علي ( رضي الله عنه ) قال :" كان النبيّ ﷺ إذا رأى سهيلاً قال : لعن الله سُهيلاً إنّه كان عشاراً باليمن ولعن الله الزُّهرة فإنّها فتنت ملكين ".
وقال مجاهد : كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي : أرمق بالكوكبة يعني الزّهُرة فاذا طلعت فأيقظني. فلما طلعت ايقظته فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّاً شديداً. فقلت : رحمك الله سببت نجماً سامعاً مُطيعاً ماله ليسبّ ؟ فقال : إنّ هذه كانت بغياً. فلقى ملكان منها مالقيا.
وقال ابن عمر إذا رأى الزهُرة قال : لا مرحباً بها ولا أهلاً وروى أبو عثمان [ المرندي ] عن ابن عبّاس : إنّ المرأة التي فتنت بها الملكان مُسخت فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة قال : وكان يسميها بيذخت. وأنكر الآخرون هذا القول. قالوا : ان الزهرة من الكواكب السبعة السّيارة الّتي جعلها الله تعالى قواماً للعالم وأقسم بها فقال :﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٦]. قلنا كانت هذه الّتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى زهرة من جمالها فلمّا بغت مسخها الله تعالى شهاباً فلمّا رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشار ولّما رأى رسول الله ﷺ النجمّ ذكره فلعنه ويدلّ عليه ما روى قيس ابن عبّاد عن ابن عبّاس في هذه القصّة : قال : كانت امرأة فضّلت على النّاس كما فضّلت الزّهرة على سائر الكواكب، ومثله قال كعب الأحبار والله أعلم.
قال
كقول الشاعر :
| فأذا مررت بقبره فاعقر به | كؤم الحجان وكلّ طرف سالح |
| وانضح جوانب قبره بدمائها | فلقد بكوه أخادم وذبائح |
قال ابن عبّاس : يتبع ويعمل به.
عطاء وأبو عبيدة : يحدّث ويتكلم به.
يمان : ترويه.
وقرأ الحسن : الشياطون بالواو في موضع الرفع في كل القرآن.
قال الثعلبي : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول : سمعت أبا حامد الخارزنجي يقول : وسئل عن قراءة الحسن ؟
قال : هو فن وحسن عند أكثر أهل الأدب.
غير أن الأصمعي زعّم إنّه سمع أعرابياً يقول : بستان فلان حوله بساتون. ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي في ملكه وعهده كقول أبي النّجم : فهي على الأفق كعين الأحول. أي في الأفق.
والملك تمام القدرة واستحكامها.
قال [. . . الزجاج ] : في قصّة الآية هي أنّ الشياطين كتبوا السّحر والنيرنجات على لسان آصف. هذا ما علّم آصف ابن برخيا سليمان الملك ثمّ وضعوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلمّا مات استخرجوها من تحت مصلاّه.
وقالوا النّاس : إنّما ملككم سليمان بهذا فتعلّموه فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وإنّ كان هذا علمه لقد هلك سليمان.
وأمّا السفلة فقالوا : هذا علم سليمان فأقبلوا على تعلّمه ورفضوا كتب أنبياءهم وفشت الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتّى بعث الله تعالى محمّداً ﷺ وأنزل عذر سليمان عليه السلام على لسانه وأظهر براءته عمّا رُمي به فقالوا :﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ الآية. هذا قول الكعبي.
وقال السّدي : كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد السّمع فيستمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا كذباً وزوراً في كلّ سبعين كلمة سبعين كلمة ويخبرونهم بذلك فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني اسرائيل أن الجن تعلم الغيب فبعث في النّاس فجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيّه وقال : لا أسمع أحداً يقول إنّ الشياطين تعلم الغيب إلاّ ضربت عنقه فلمّا مات سليمان وذهب العلماء الّذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثّل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال : هل أدلّكم على كنز لا ينفذ أبداً.
قالوا : نعم. قال : فأحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وقام ناحية وقالوا : أدُن. فقال : لا ولكن هاهنا فان لم تجدوه فاقتلوني وذلك إنّهم لم يكن أحدٌ من الشياطين يدنو من الكرسي إلاّ احترق فحفروا فوجدوا تلك الكتب فلمّا أخرجوها. قال الشيطان : إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والأنس والطيّر بهذا ثمّ طار الشيطان وذهب وفشا في النّاس أنّ سليمان كان ساحراً فاتّخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ولذلك فكثير ما يوجد السحر في اليهود فلمّا جاء محمّد ﷺ خاصمه اليهود بها فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك وأنزل هذه الآية.
وقال عكرمة : كان سليمان عليه السلام لا يصبح يوماً إلاّ نبتت في محرابه في بيت المقدس شجرة فيسألها : ما اسمك ؟
فتقول الشجرة : إسمي كذا، فيقول : لأيّ داء أنتِ ؟
فتقول : لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع وترفع في الخزانة وتغرس منها في البساتين حتّى بعثت الخرنوبة الشّامية فقال لها : ما أنت ؟
قالت أنا الخرنوبة. قال : لأي شيء نبتّ ؟ قالت : لخراب مسجدك. قال سليمان : ما كان الله ليخرّبه وأنا حي أنت الّذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها فغرسها في حائط له فلم تنبت إلى أن توفّي فجعل النّاس يقولون في رضاهم : لو كان لنا مثل سليمان، وكتبت الشياطين كتاباً فجعلوه في مصلّى سليمان.
فقالوا للنّاس : من يدّلكم على ما كان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر ورقيّ فأنزل الله في هذه الآية ما تفعل الشياطين واليهود على نبيّه محمّد ﷺ ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بالسحر فانّ السحر كفر.
﴿وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ﴾ قرأ أهل الكوفة والشام بتخفيف النون ورفع الشياطين وكذلك في الأيمان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
الباقون : بالتشديد ونصب ما بعده، ولكن كلمة لها معنيان نفي الخبر الماضي واثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث كلمات أصلها لا كان لا نفي والكاف خطاب وإنّ نصب ونسق فذهبت الهمزة استثقالاً وهي تثقّل وتخفف فإذا ثقلت نصب بها مابعدها من الاسماء كما تنصب بإن الثقيلة فإذا خففها رفعت بها ما ترفع بأنْ الخفيفة. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ قال بعضهم : السحر العلم والخطابة دليله قوله : بان السّاحر : أي العالم.
وقال بعضهم : هو التمويه بالشيء حتّى يتوهم المتوّهم إنّه شيء ولا حقيقة له كالسراب غير من رآه وأخلف من رجاه قال الله تعالى :﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ محل ما بعد اتباع التعليم عليه معناه لا يعلمون الذي أنُزل على الملكين أي [. . . . . . ] ويجوز أن يكون نصباً بالاتباع تقديره : واتبعوا ما أنُزل على الملكين، وجعل بعضهم ما جحداً وحينئذ لا محل له يعني لم ينزل السّحر على الملكين كما زعم اليهود، وإنّما يعلِّمونهم [. . . . . . من ذات ] أنفسهم والقول الأوّل أصح.
وقرأ ابن عبّاس والحسن والضحّاك ويحيى بن أبي كثير : ملِكين بكسر اللام، وقالوا : هما رجلان ساحران كانا ببابل من الملائكة لا يعلمون النّاس السحر، وفسرهما الحسن فقال : غلجان ببابل وهي بابل عراق وسمّي بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها. أو ان الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقى بتعلم السحر منهما فيكفر به ومن سعد بتركه فيبقى على الإيمان فيزداد المعلمان بالتعليم عذاباً ففيه ابتلاء المعلم والمتعلّم والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء كما يشاء فله الأمر والحكم.
وقال الخليل بن أحمد : إنّما سمّيت بابل لأنّ الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحاً فحفرتهم من كل أفق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم فلم يدري أحد ما يقول الآخر، ثمّ فرقتهم تلك الرّيح في البلاد وهو لا ينصرف ؛ لأنّه اسم موضع معروف. ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان سريانيان في محل الخفض على تفسير الملكين بدلاً منهما إلاّ أنّهما نصباً لعجمتهما ومعرفتهما وكانت قصتيهما على ما ذكره ابن عبّاس والمفسرون : إنّ الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك في زمن إدريس فعيروهم بذلك، ودعتْ عليهم قالوا : هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم فهم يعصونك.
فقال الله عزّ وجلّ لهم : لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوه. فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنّا أن نعصيك. قال الله تعالى : اختاروا ملكين من خياركم ثمّ اهبطوهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وما روت وكانا من أصلح الملائكة وأخصهم.
قال الكلبي : قال الله تعالى لهم : اختاروا ثلاثة : عزّا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت. غيَّر اسمهما لما قارفا الذنب كما غير اسم إبليس وعزائيل فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم. فاهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين النّاس بالحقّ، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحقّ والزنا وشرب الخمر وأما عزائيل فأنّه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربّه، وسأله أن يرفعه إلى السّماء، فأقاله ورفعه، فسجد اربعين سنة، ثمّ رفع رأسه ولم يزل بعد ذلك مطأطئاً رأسه حياءاً من الله عزّ وجلّ.
وأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يغضبان من النّاس يومهما فإذا أمسياً ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء.
قال قتادة : فما مر عليهما شهر حتّى افتتنا قالوا جميعاً وذلك انهم اختصم عليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النّساء. قال علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) وكانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها. فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها وانصرفت، ثمّ عادت في اليوم الثاني. ففعلا مثل ذلك. فأبت وقالت : لا إلاّ أن تعبدا ما أعُبد وتُصليا لهذا الصّنم وتقتلا النّفس وتشربا الخمر فقالا : لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله قد نهانا عنها. فانصرفت ثمّ عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها. فراوداها عن نفسها. فعرضت عليهما ما قالت بالأمس. فقالا : الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النّفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فانتعشا ووقعا بالمرأة وزنيا. فلما فرغا رآهما أنسان فقتلاه.
قال الربيع بن أنس : سجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكباً وقال عليّ بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) والسّدي والكلبي : إنّها قالت لهما : لن تدركاني حتّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء. فقالا : بسم الله الأكبر. قالت : فما أنتما تدركاني حتّى تعلمانيه. فقال أحدهما لصاحبه : علّمها. قال : فأنّي أخاف الله.
قال الآخر : فأين رحمة الله فعلماهما ذلك. فتكلّمت به وصعدت إلى السّماء فمسخها الله كوكباً.
فعلى قول هؤلاء هي الزّهرة بعينها وقيدوها. فقالوا : هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسيّة ناهيد، وبالنبطية بيذخت يدلّ على صحة هذا القول ما روى جابر عن الطفيل عن علي ( رضي الله عنه ) قال :" كان النبيّ ﷺ إذا رأى سهيلاً قال : لعن الله سُهيلاً إنّه كان عشاراً باليمن ولعن الله الزُّهرة فإنّها فتنت ملكين ".
وقال مجاهد : كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي : أرمق بالكوكبة يعني الزّهُرة فاذا طلعت فأيقظني. فلما طلعت ايقظته فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّاً شديداً. فقلت : رحمك الله سببت نجماً سامعاً مُطيعاً ماله ليسبّ ؟ فقال : إنّ هذه كانت بغياً. فلقى ملكان منها مالقيا.
وقال ابن عمر إذا رأى الزهُرة قال : لا مرحباً بها ولا أهلاً وروى أبو عثمان [ المرندي ] عن ابن عبّاس : إنّ المرأة التي فتنت بها الملكان مُسخت فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة قال : وكان يسميها بيذخت. وأنكر الآخرون هذا القول. قالوا : ان الزهرة من الكواكب السبعة السّيارة الّتي جعلها الله تعالى قواماً للعالم وأقسم بها فقال :﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٦]. قلنا كانت هذه الّتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى زهرة من جمالها فلمّا بغت مسخها الله تعالى شهاباً فلمّا رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشار ولّما رأى رسول الله ﷺ النجمّ ذكره فلعنه ويدلّ عليه ما روى قيس ابن عبّاد عن ابن عبّاس في هذه القصّة : قال : كانت امرأة فضّلت على النّاس كما فضّلت الزّهرة على سائر الكواكب، ومثله قال كعب الأحبار والله أعلم.
قال