البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
تلا يتلو : تبع. وتلا القرآن : قرأه وتلا عليه كذب، قاله أبو مسلم. وقال أيضاً : تلا عنه صدف، فإذا لم يذكر الصلتين احتمل الأمرين.
سليمان : اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية، في أن في آخره ألفاً ونوناً : هامان، وماهان، وسامان، وليس امتناعه من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون : كعثمان، لأن زيادة الألف والنون موقوفة على الاشتقاق والتصريف.
والاشتقاق والتصريف العربيان لا يدخلان الأسماء العجمية.
السحر : مصدر سحر يسحر سحراً، ولا يوجد مصدر لفعل يفعل على وزن فعل إلا سحر وفعل، قاله بعض أهل العلم.
قال الجوهري : كل ما لطف ودق فهو سحر.
يقال سحره : أبدى له أمراً يدق عليه ويخفى. انتهى.
وقال :
أداء عراني من حبائك أم سحر***
ويقال سحره : خدعه، ومنه قول امرىء القيس :
أي نعلل ونخدع.
وسيأتي الكلام على مدلول السحر في الآية.
هاروت وماروت : اسمان أعجميان، وسيأتي الكلام على مدلولهما، ويجمعان على : هواريت ومواريت، ويقال : هوارته وموارته، ومثل ذلك : طالوت وجالوت.
الفتنة : الابتلاء والاختبار.
فتن يفتن فتوناً وفتنة.
المرء : الرجل، والأفصح فتح الميم مطلقاً، وحكي الضم مطلقاً، وحكي اتباع حركة الميم لحركة الإعراب فتقول : قام المرء : بضم الميم، ورأيت المرء : بفتح الميم، ومررت بالمرء : بكسر الميم، ومؤنثه المرأة.
وقد جاء جمعه بالواو والنون، قالوا : المرؤون.
الضرر والنفع معروفان، ويقال : ضرّ يضر، بضم الضاد، وهو قياس المضعف المتعدي ومصدره : الضرّ والضرّ والضرر، ويقال : ضار يضير، قال :
ويقال : نفع ينفع نفعاً.
ورأيت في شرح الموجز، الذي للرماني في النحو، وهو تأليف رجل يقال له الأهوازي، وليس بأبي على الأهوازي المقري، أنه لا يقال منه اسم مفعول نحو منفوع، والقياس النحوي يقتضيه.
الخلاق، في اللغة : النصيب، قاله الزجاج.
قال : لكنه أكثر ما يستعمل في الخير، قال :
والخلاق : القدر، قال الشاعر :
﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾، معنى اتبعوا : أي اقتدوا به إماماً، أو فضلوا، لأن من اتبع شيئاً فضله، أو قصد واو الضمير في واتبعوا لليهود، فقال ابن زيد والسدّي : يعود على من كان في عهد سليمان.
وقال ابن عباس : في عهد رسول الله ﷺ.
وقيل : يعود على جميع اليهود.
والجملة من قوله : واتبعوا، معطوفة على جميع الجملة السابقة من قوله : ولما جاءهم إلى آخرها، وهو إخبار عن حالهم في اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبع، وهذا هو الظاهر، لا أنها معطوفة على قوله : نبذه فريق منهم، لأن الاتباع ليس مترتباً على مجيء الرسول، لأنهم كانوا متبعين ذلك قبل مجيء الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله، فإنه مترتب على مجيء الرسول.
وتتلو : تتبع، قاله ابن عباس، أو تدعي، أو تقرأ، أو تحدث، قاله عطاء، أو تروي، قاله يمان، أو تعمل، أو تكذب، قاله أبو مسلم.
وهي أقوال متقاربة.
وما موصولة، صلتها تتلو، وهو مضارع في معنى الماضي، أي ما تلت.
وقال الكوفيون : المعنى : ما كانت تتلو، لا يريدون أن صلة ما محذوفة، وهي كانت وتتلو، في موضع الخبر، وإنما يريدون أن المضارع وقع موقع الماضي، كما أنك إذا قلت : كان زيد يقوم، هو إخبار بقيام زيد، وهو ماض لدلالة كان عليه.
والشياطين : ظاهره أنهم شياطين الجن، لأنه إذا أطلق الشيطان، تبادر الذهن إلى أنه من الجان.
وقيل : المراد شياطين الإنس.
وقرأ الحسن والضحاك : الشياطون، بالرفع بالواو، هو شاذ، قاسه على قول العرب : بستان فلان حوله بساتون، رواه الأصمعي.
قالوا : والصحيح أن هذا الجن فاحش.
وقال أبو البقاء : شبه فيه الياء قبل النون بياء جمع الصحيح، وهو قريب من الغلط.
وقال السجاوندي : خطأه الخازربجي.
على ملك : متعلق بتتلو، وتلا يتعدى بعلى إذا كان متعلقها يتلى عليه لقوله : يتلى على زيد القرآن، وليس الملك هنا بهذا المعنى، لأنه ليس شخصاً يتلى عليه، فلذلك زعم بعض النحويين أن على تكون بمعنى في، أي تتلو في ملك سليمان.
وقال أصحابنا : لا تكون على في معنى في، بل هذا من التضمين في الفعل ضمن تتقول، فعديت بعلى لأن تقول : تعدى بها، قال تعالى :﴿ولو تقوّل علينا﴾ ومعنى :﴿على ملك سليمان﴾، أي شرعه ونبوّته وحاله.
وقيل : على عهده، وفي زمانه، وهو قريب.
وقيل : على كرسي سليمان بعد وفاته، لأنه كان من آلات ملكه.
وفسروا ما يتلو الشياطين بالسحر، قالوا : وهو الأشهر والأظهر على ما نقل في أسباب النزول، من أن الشياطين كتبت السحر واختلقته ونسبته إلى سليمان وآصف.
وقيل : الذي تلته هو الكذب الذي تضيفه إلى ما تسترق من أخبار السماء، وأضافوا ذلك إلى سليمان تفخيماً لشأن ما يتلونه، لأن الذي كان معه : من المعجزات، وإظهار الخوارق، وتسخير الجن والإِنس، وتقريب المتباعدات، وتأليف الخواطر، وتكليم العجماوات، كان أمراً عظيماً.
والساحر يدّعي أشياء من هذا النوع : من تسخير الجن، وبلوغ الآمال، والتأثير في الخواطر، بل ويدّعي قلب الأعيان على ما يأتي في الكلام على السحر في قوله تعالى :﴿يعلمون الناس السحر﴾، أو لأنهم كانوا يزعمون أن ملك سليمان إنما حصل بالسحر.
وقد ذكر المفسرون في كيفيات ما رتبوه من هذا الذي تلوه قصصاً كثيرة، الله أعلم به، ولم تتعرض الآية الكريمة، ولا الحديث المسند الصحيح لشيء منه، فلذلك لم نذكره.
﴿وما كفر سليمان﴾ : تنزيه لسليمان عن الكفر، أي ليس ما اختلقته الجن من نسبة ما تدعيه إلى سليمان تعاطاه سليمان، لأنه كفر، ومن نبأه الله تعالى منزه عن المعاصي الكبائر والصغائر، فضلاً عن الكفر.
وفي ذلك دليل على صحة نفي الشيء عمن لا يمكن أن يقع منه، لأنّ النبي لا يمكن أن يقع منه الكفر، ولا يدل هذا على أن ما نسبوه إلى سليمان من السحر يكون كفراً، إذ يحتمل أنهم نسبوا إليه الكفر مع السحر.
وروي أن رسول الله ﷺ لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود : انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء، وما كان إلا ساحراً.
ولم يتقدّم في الآيات أن أحداً نسب سليمان إلى الكفر، ولكنها آية نزلت في السبب المتقدّم أن اليهود نسبته إلى السحر والعمل به.
﴿ولكن الشيطان كفروا﴾ : كفرهم، إما بتعليم السحر، وإما تعلمهم به، وإما بتكفيرهم سليمان به، ويحتمل أن يكون كفرهم بغير ذلك.
واستعمال لكن هنا حسن، لأنها بين نفي وإثبات.
وقرئ : ولكنّ بالتشديد، فيجب إعمالها، وهي قراءة نافع وعاصم وابن كثير وأبي عمرو.
وقرئ : بتخفيف النون ورفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي.
وإذا خففت، فهل يجوز إعمالها ؟ مسألة خلاف الجمهور على المنع ونقل أبو القاسم بن الرماك عن يونس جواز إعمالها، ونقل ذلك غيره عن الأخفش، والصحيح المنع.
وقال الكسائي والفراء : الاختيار، التشديد إذا كان قبلها واو، والتخفيف إذا لم يكن معها واو، وذلك لأنها مخففة تكون عاطفة ولا تحتاج إلى واو معها.
كبل : فإذا كانت قبلها واو لم تشبه بل، لأن بل لا تدخل عليها الواو، فإذا كانت لكن مشدّدة عملت عمل إن، ولم تكن عاطفة.
انتهى الكلام.
وهذا كله على تسليم أن لكن تكون عاطفة، وهي مسألة خلاف الجمهور على أن لكنّ تكون عاطفة.
وذهب يونس إلى أنها لبيست من حروف العطف، وهو الصحيح لأنه لا يحفظ ذلك من لسان العرب، بل إذا جاء بعدها ما يوهم العطف، كانت مقرونة بالواو كقوله تعالى :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله﴾
وأما إذا جاءت بعدها الجملة، فتارة تكون بالواو، وتارة لا يكون معها الواو، كما قال زهير :
وأما ما يوجد في كتب النحويين من قولهم : ما قام زيد لكن عمرو، وما ضربت زيداً لكن عمراً، وما مررت بزيد لكن عمرو، فهو من تمثيلهم، لا أنه مسموع من العرب.
ومن غريب ما قيل في لكن : إنها مركبة من كلم ثلاث : لا للنفي، والكاف للخطاب، وأن التي للإثبات والتحقيق، وأن الهمزة حذفت للاستثقال، وهذا قول فاسد، والصحيح أنها بسيطة.
﴿يعلمون الناس السحر﴾ : الضمير في يعلمون اختلف في من يعود عليه، فالظاهر أنه يعود على الشياطين، يقصدون به إغواءهم وإضلالهم، وهو اختيار الزمخشري.
وعلى هذا تكون الجملة في موضع الحال من الضمير في كفروا.
قالوا : أو خبراً ثانياً.
وقيل : حال من الشياطين.
ورد بأن لكن لا تعمل في الحال، وقيل : بدل من كفروا، بدل الفعل من الفعل، لأن تعليم الشياطين السحر كفر في المعنى.
والظاهر أنه استئناف إخبار عنهم.
وقيل : الضمير عائد على الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين.
على اختلاف المفسرين فيمن يعود عليه ضمير اتبعوا، فيكون المعنى : يعلم المتبعون ما تتلو الشياطين الناس، فالناس معلمون للمتبعين.
وعلى القول الأول يكونون معلمين للشياطين.
واختلف في حقيقة السحر على أقوال : الأول : أنه قلب الأعيان واختراعها وتغيير صور الناس مما يشبه المعجزات والكرامات، كالطيران وقطع المسافات في ليلة.
الثاني : أنه خدع ومخاريق وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها، ويدل عليه، ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ وفي الحديث، حين سحر لبيد بن الأعصم رسول الله ﷺ :«يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ».
وهو قول المعتزلة : يرون أن السحر ليست له حقيقة، ووافقهم أبو إسحاق الاسترأباذي من الشافعية.
الثالث : أنه أمر يأخذ بالعين على جهة الحيلة، ومنه :﴿سحروا أعين الناس﴾ كما روي أن حبالهم وعصيهم كانت مملوءة زئبقاً، فسجروا تحتها ناراً، فحميت الحبال والعصي، فتحركت وسعت.
ولأرباب الحيل والدك والشعوذة من هذا أشياء، يبين كثير منها في الكتاب المسمى ( بكشف الدّك والشعوذة وإيضاح الشك )، وفي كتاب ( إرخاء الستور والكلل في الشعوذة والحيل ).
وفي الحديث، حين انشق القمر نصفين بمكة، قال أبو جهل : اصبروا حتى يأتي أهل البوادي، فإن لم يخبروا بذلك، كان محمد قد سحر أعيننا، فأتوا فأخبروا بذلك، فقال : ما هذا إلا سحر عظيم.
الرابع : أنه نوع من خدمة الجن، وهم الذين استخرجوه من جنس لطيف أجسامهم وهيآتها، فلطف ودق وخفي.
الخامس : أنه مركب من أجسام تجمع وتحرق، وتتخذ منها أرمدة ومداد، ويتلى عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل فيما يحتاج إليها من السحر.
السادس : أن أصله طلسمات وقلفطريات، تبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصى فرعون، أو استخدام الشياطين لتسهيل ما عسر.
السابع : أنه مركب من كلمات ممزوجة بكفر.
قال بعض معاصرينا : هذه الأقوال كلها التي قا
سليمان : اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية، في أن في آخره ألفاً ونوناً : هامان، وماهان، وسامان، وليس امتناعه من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون : كعثمان، لأن زيادة الألف والنون موقوفة على الاشتقاق والتصريف.
والاشتقاق والتصريف العربيان لا يدخلان الأسماء العجمية.
السحر : مصدر سحر يسحر سحراً، ولا يوجد مصدر لفعل يفعل على وزن فعل إلا سحر وفعل، قاله بعض أهل العلم.
قال الجوهري : كل ما لطف ودق فهو سحر.
يقال سحره : أبدى له أمراً يدق عليه ويخفى. انتهى.
وقال :
أداء عراني من حبائك أم سحر***
ويقال سحره : خدعه، ومنه قول امرىء القيس :
| أرانا موضعين لأمر عيب | ونسحر بالطعام وبالشراب |
وسيأتي الكلام على مدلول السحر في الآية.
بابل : اسم أعجمي، اسم أرض، وسيأتي تعيينها.
هاروت وماروت : اسمان أعجميان، وسيأتي الكلام على مدلولهما، ويجمعان على : هواريت ومواريت، ويقال : هوارته وموارته، ومثل ذلك : طالوت وجالوت.
الفتنة : الابتلاء والاختبار.
فتن يفتن فتوناً وفتنة.
المرء : الرجل، والأفصح فتح الميم مطلقاً، وحكي الضم مطلقاً، وحكي اتباع حركة الميم لحركة الإعراب فتقول : قام المرء : بضم الميم، ورأيت المرء : بفتح الميم، ومررت بالمرء : بكسر الميم، ومؤنثه المرأة.
وقد جاء جمعه بالواو والنون، قالوا : المرؤون.
الضرر والنفع معروفان، ويقال : ضرّ يضر، بضم الضاد، وهو قياس المضعف المتعدي ومصدره : الضرّ والضرّ والضرر، ويقال : ضار يضير، قال :
| يقول أناس لا يضيرك نابها | بلى كل ما شف النفوس يضيرها |
ورأيت في شرح الموجز، الذي للرماني في النحو، وهو تأليف رجل يقال له الأهوازي، وليس بأبي على الأهوازي المقري، أنه لا يقال منه اسم مفعول نحو منفوع، والقياس النحوي يقتضيه.
الخلاق، في اللغة : النصيب، قاله الزجاج.
قال : لكنه أكثر ما يستعمل في الخير، قال :
| يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم | إلا السرابيل من قطر وأغلال |
| فما لك بيت لدى الشامخات | وما لك في غالب من خلاق |
وقال ابن عباس : في عهد رسول الله ﷺ.
وقيل : يعود على جميع اليهود.
والجملة من قوله : واتبعوا، معطوفة على جميع الجملة السابقة من قوله : ولما جاءهم إلى آخرها، وهو إخبار عن حالهم في اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبع، وهذا هو الظاهر، لا أنها معطوفة على قوله : نبذه فريق منهم، لأن الاتباع ليس مترتباً على مجيء الرسول، لأنهم كانوا متبعين ذلك قبل مجيء الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله، فإنه مترتب على مجيء الرسول.
وتتلو : تتبع، قاله ابن عباس، أو تدعي، أو تقرأ، أو تحدث، قاله عطاء، أو تروي، قاله يمان، أو تعمل، أو تكذب، قاله أبو مسلم.
وهي أقوال متقاربة.
وما موصولة، صلتها تتلو، وهو مضارع في معنى الماضي، أي ما تلت.
وقال الكوفيون : المعنى : ما كانت تتلو، لا يريدون أن صلة ما محذوفة، وهي كانت وتتلو، في موضع الخبر، وإنما يريدون أن المضارع وقع موقع الماضي، كما أنك إذا قلت : كان زيد يقوم، هو إخبار بقيام زيد، وهو ماض لدلالة كان عليه.
والشياطين : ظاهره أنهم شياطين الجن، لأنه إذا أطلق الشيطان، تبادر الذهن إلى أنه من الجان.
وقيل : المراد شياطين الإنس.
وقرأ الحسن والضحاك : الشياطون، بالرفع بالواو، هو شاذ، قاسه على قول العرب : بستان فلان حوله بساتون، رواه الأصمعي.
قالوا : والصحيح أن هذا الجن فاحش.
وقال أبو البقاء : شبه فيه الياء قبل النون بياء جمع الصحيح، وهو قريب من الغلط.
وقال السجاوندي : خطأه الخازربجي.
على ملك : متعلق بتتلو، وتلا يتعدى بعلى إذا كان متعلقها يتلى عليه لقوله : يتلى على زيد القرآن، وليس الملك هنا بهذا المعنى، لأنه ليس شخصاً يتلى عليه، فلذلك زعم بعض النحويين أن على تكون بمعنى في، أي تتلو في ملك سليمان.
وقال أصحابنا : لا تكون على في معنى في، بل هذا من التضمين في الفعل ضمن تتقول، فعديت بعلى لأن تقول : تعدى بها، قال تعالى :﴿ولو تقوّل علينا﴾ ومعنى :﴿على ملك سليمان﴾، أي شرعه ونبوّته وحاله.
وقيل : على عهده، وفي زمانه، وهو قريب.
وقيل : على كرسي سليمان بعد وفاته، لأنه كان من آلات ملكه.
وفسروا ما يتلو الشياطين بالسحر، قالوا : وهو الأشهر والأظهر على ما نقل في أسباب النزول، من أن الشياطين كتبت السحر واختلقته ونسبته إلى سليمان وآصف.
وقيل : الذي تلته هو الكذب الذي تضيفه إلى ما تسترق من أخبار السماء، وأضافوا ذلك إلى سليمان تفخيماً لشأن ما يتلونه، لأن الذي كان معه : من المعجزات، وإظهار الخوارق، وتسخير الجن والإِنس، وتقريب المتباعدات، وتأليف الخواطر، وتكليم العجماوات، كان أمراً عظيماً.
والساحر يدّعي أشياء من هذا النوع : من تسخير الجن، وبلوغ الآمال، والتأثير في الخواطر، بل ويدّعي قلب الأعيان على ما يأتي في الكلام على السحر في قوله تعالى :﴿يعلمون الناس السحر﴾، أو لأنهم كانوا يزعمون أن ملك سليمان إنما حصل بالسحر.
وقد ذكر المفسرون في كيفيات ما رتبوه من هذا الذي تلوه قصصاً كثيرة، الله أعلم به، ولم تتعرض الآية الكريمة، ولا الحديث المسند الصحيح لشيء منه، فلذلك لم نذكره.
﴿وما كفر سليمان﴾ : تنزيه لسليمان عن الكفر، أي ليس ما اختلقته الجن من نسبة ما تدعيه إلى سليمان تعاطاه سليمان، لأنه كفر، ومن نبأه الله تعالى منزه عن المعاصي الكبائر والصغائر، فضلاً عن الكفر.
وفي ذلك دليل على صحة نفي الشيء عمن لا يمكن أن يقع منه، لأنّ النبي لا يمكن أن يقع منه الكفر، ولا يدل هذا على أن ما نسبوه إلى سليمان من السحر يكون كفراً، إذ يحتمل أنهم نسبوا إليه الكفر مع السحر.
وروي أن رسول الله ﷺ لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود : انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء، وما كان إلا ساحراً.
ولم يتقدّم في الآيات أن أحداً نسب سليمان إلى الكفر، ولكنها آية نزلت في السبب المتقدّم أن اليهود نسبته إلى السحر والعمل به.
﴿ولكن الشيطان كفروا﴾ : كفرهم، إما بتعليم السحر، وإما تعلمهم به، وإما بتكفيرهم سليمان به، ويحتمل أن يكون كفرهم بغير ذلك.
واستعمال لكن هنا حسن، لأنها بين نفي وإثبات.
وقرئ : ولكنّ بالتشديد، فيجب إعمالها، وهي قراءة نافع وعاصم وابن كثير وأبي عمرو.
وقرئ : بتخفيف النون ورفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي.
وإذا خففت، فهل يجوز إعمالها ؟ مسألة خلاف الجمهور على المنع ونقل أبو القاسم بن الرماك عن يونس جواز إعمالها، ونقل ذلك غيره عن الأخفش، والصحيح المنع.
وقال الكسائي والفراء : الاختيار، التشديد إذا كان قبلها واو، والتخفيف إذا لم يكن معها واو، وذلك لأنها مخففة تكون عاطفة ولا تحتاج إلى واو معها.
كبل : فإذا كانت قبلها واو لم تشبه بل، لأن بل لا تدخل عليها الواو، فإذا كانت لكن مشدّدة عملت عمل إن، ولم تكن عاطفة.
انتهى الكلام.
وهذا كله على تسليم أن لكن تكون عاطفة، وهي مسألة خلاف الجمهور على أن لكنّ تكون عاطفة.
وذهب يونس إلى أنها لبيست من حروف العطف، وهو الصحيح لأنه لا يحفظ ذلك من لسان العرب، بل إذا جاء بعدها ما يوهم العطف، كانت مقرونة بالواو كقوله تعالى :﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله﴾
وأما إذا جاءت بعدها الجملة، فتارة تكون بالواو، وتارة لا يكون معها الواو، كما قال زهير :
| إن ابن ورقاء لا تخشى بوادره | لكن وقائعه في الحرب تنتظر |
ومن غريب ما قيل في لكن : إنها مركبة من كلم ثلاث : لا للنفي، والكاف للخطاب، وأن التي للإثبات والتحقيق، وأن الهمزة حذفت للاستثقال، وهذا قول فاسد، والصحيح أنها بسيطة.
﴿يعلمون الناس السحر﴾ : الضمير في يعلمون اختلف في من يعود عليه، فالظاهر أنه يعود على الشياطين، يقصدون به إغواءهم وإضلالهم، وهو اختيار الزمخشري.
وعلى هذا تكون الجملة في موضع الحال من الضمير في كفروا.
قالوا : أو خبراً ثانياً.
وقيل : حال من الشياطين.
ورد بأن لكن لا تعمل في الحال، وقيل : بدل من كفروا، بدل الفعل من الفعل، لأن تعليم الشياطين السحر كفر في المعنى.
والظاهر أنه استئناف إخبار عنهم.
وقيل : الضمير عائد على الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين.
على اختلاف المفسرين فيمن يعود عليه ضمير اتبعوا، فيكون المعنى : يعلم المتبعون ما تتلو الشياطين الناس، فالناس معلمون للمتبعين.
وعلى القول الأول يكونون معلمين للشياطين.
واختلف في حقيقة السحر على أقوال : الأول : أنه قلب الأعيان واختراعها وتغيير صور الناس مما يشبه المعجزات والكرامات، كالطيران وقطع المسافات في ليلة.
الثاني : أنه خدع ومخاريق وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها، ويدل عليه، ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ وفي الحديث، حين سحر لبيد بن الأعصم رسول الله ﷺ :«يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله ».
وهو قول المعتزلة : يرون أن السحر ليست له حقيقة، ووافقهم أبو إسحاق الاسترأباذي من الشافعية.
الثالث : أنه أمر يأخذ بالعين على جهة الحيلة، ومنه :﴿سحروا أعين الناس﴾ كما روي أن حبالهم وعصيهم كانت مملوءة زئبقاً، فسجروا تحتها ناراً، فحميت الحبال والعصي، فتحركت وسعت.
ولأرباب الحيل والدك والشعوذة من هذا أشياء، يبين كثير منها في الكتاب المسمى ( بكشف الدّك والشعوذة وإيضاح الشك )، وفي كتاب ( إرخاء الستور والكلل في الشعوذة والحيل ).
وفي الحديث، حين انشق القمر نصفين بمكة، قال أبو جهل : اصبروا حتى يأتي أهل البوادي، فإن لم يخبروا بذلك، كان محمد قد سحر أعيننا، فأتوا فأخبروا بذلك، فقال : ما هذا إلا سحر عظيم.
الرابع : أنه نوع من خدمة الجن، وهم الذين استخرجوه من جنس لطيف أجسامهم وهيآتها، فلطف ودق وخفي.
الخامس : أنه مركب من أجسام تجمع وتحرق، وتتخذ منها أرمدة ومداد، ويتلى عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل فيما يحتاج إليها من السحر.
السادس : أن أصله طلسمات وقلفطريات، تبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصى فرعون، أو استخدام الشياطين لتسهيل ما عسر.
السابع : أنه مركب من كلمات ممزوجة بكفر.
قال بعض معاصرينا : هذه الأقوال كلها التي قا