الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ : في " مِنْ " قولان : أحدهُما : أنها للتبعيضِ فتكونُ هي ومجرورُها في محلِّ نصبٍ على الحال ويتعلَّقُ بمحذوف أي : ما يَوَدُّ الذين كفروا كائنين من أهلِ الكتابِ. الثاني : أنها لبيانِ الجنسِ وبه قالَ الزمخشري.
قوله :﴿وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ على " أَهْلِ " المجرورِ بمِنْ و " لا " زائدةٌ للتوكيد لأنَّ المعنى : ما يَوَدُّ الذين كفروا مِنْ أهلِ الكتابِ والمشركين كقولِه :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] بغيرِ زيادة " لا ". وزعَمَ بعضُهم أنه مخفوضٌ على الجِوار وأنَّ الأصلَ : ولا المشركون، عطفاً على الذين وإنما خُفِض للمجاورة، نحو :" برؤوسكم وأرجلكِم " في قراءة الجر، وليس بواضح. وقال النحاس :" ويجوزُ : ولا المشركونَ بعطفِه على " الذين " وقال أبو البقاء :" وإنْ كان قد قرئ " ولا المشركون " بالرفع فهو عطفٌ على الفاعل، والظاهر أنه لم يُقْرأ بذلك " وهذان القولان يؤيِّدان ادِّعاءَ الخفضِ في الجوار.
قوله :﴿أَن يُنَزَّلَ﴾ ناصبٌ ومنصوبٌ في تأويلِ مصدرٍ مفعولٌ ب " يَوَدُّ " أي : ما يودُّ إنزالَ خيرٍ، وبُني الفعلُ للمفعولِ للعلمِ بالفاعلِ وللتصريحِ به في قولِه :" من ربكم "، وأتى ب " ما " في النفي دونَ غيرِها لأنَّها لنفي الحالِ وهم كانوا متلبِّسين بذلك.
قولُه :﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ / هذا هو القائمُ مَقَامَ الفاعلِ، و " مِنْ " زائدةٌ، أي : أَنْ يُنَزَّل خيرٌ من ربكم. وحَسُنَ زيادتُها هنا وإنْ كان " يُنَزَّل " لم يباشِرْه حرفُ النفي لانسحابِ النفي عليه من حيث المعنى لأنه إذا نُفِيَتِ الوَدادَةُ انتفى مُتَعَلَّقُها.
وهذا له نظائرُ في كلامِهم نحو :" ما أظنُّ أحداً يقولُ ذلك إلا زيدٌ " برفع " زيدٌ " بدلاً من فاعِل " يقول " وإنْ لم يباشر النفيَ، لكنه في قوةِ :" ما يقولُ أحدٌ ذلك إلا زيدٌ في ظني " وقولِه تعالى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] زيدت الباءُ لأنه في معنى : أَوَلَيس اللهُ بقادرٍ، وهذا على رأي سيبويه وأتباعِه. وأمَّا الكوفيون والأخفش فلا يَحْتاجون إلى شَيءٍ من هذا. وقيل :" مِنْ " للتبعيض أي : ما يَوَدُّون أَنْ يُنَزَّلُ من الخيرِ قليلٌ ولا كثيرٌ، فعلى هذا يكونُ القائمُ مقامَ الفاعل :" عليكم " والمعنى : أَنْ يُنَزَّل عليكم بخير من الخُيور.
قوله :﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في " مِنْ " أيضاً قولان، أحدُهما : أنَّها لابتداءِ الغايةِ فتتعلَّقُ بِيُنَزَّل. والثاني : أنها للتبعيضِ، ولا بُدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ مضاف تقديرُه : مِنْ خُيورِ ربِّكم، وتتعلَّقُ حينئذٍ بمحذوفٍ، لأنَّها ومجرورَها صفةً لقولِه :" مِنْ خيرٍ " أي : مِنْ خيرٍ كائن من خيورِ ربِّكم، ويكونُ في محلِّها وجهان : الجرُّ على اللفظِ، والرفعُ على الموضعِ لأنَّ " مِنْ " زائدةٌ في " خير " فهو مرفوعٌ تقديراً لقيامهِ مَقامَ الفاعل كما تقدَّم.
وتلخَّصَ ممَّا تقدم أنَّ في كلِّ واحدةٍ من لفظِ " مِنْ " قولين، الأولى : قيل إنها للتبعيض، وقيل : لبيان الجنس، وفي الثانيةِ قولان : زائدةٌ أو للتبعيضِ، وفي الثالثة أيضاً قولان ابتداءُ الغايةِ أو التبعيضُ.
قوله :﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ هذه جملةٌ ابتدائيةٌ تَضَمَّنَتْ رَدُّ ودَادَتِهم ذلك. و " يختصُّ " يَحْتملُ أن يكونَ هنا متعدِّياً وأن يكونَ لازماً، فإنْ كان متعدِّياً كان فيه ضميرٌ يعودُ على اللهِ تعالى، وتكون " مَنْ " مفعولاً به أي يختصُّ الله الذي يشاؤه برحمتِه، ويكونُ معنى افْتَعَلَ هنا معنى المجرد نحو : كَسَب مالاً واكتسَبه، وإنْ كان لازماً لم يكن فيه ضميرٌ ويكونَ فاعلُه " مَنْ " أي : واللهُ يختصُّ برحمتِه الشخصَ الذي يَشاؤُه ويكون افتعل بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو اضطرب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا تبين فساد قول مَنْ زعم أنه هنا متعدٍّ ليس إلاَّ. و " مَنْ يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفةً، وعلى كلا التقديرين فلا بُدُّ من تقديرِ عائدٍ، أي : يشاءُ اختصاصَه، ويجوزُ أَنْ يُضَمَّنَ " يشاء " معنى يَخْتار، فيحنئذٍ لا حاجة إلى حَذْفِ مضاف بل تقدِّره ضميراً فقط أي : يَشاؤه، و " يشاءُ " على القولِ الأولِ لا محلَّ له لكونِه صلةً، وعلى الثاني محلُّه النصبُ أو الرفعُ على ما ذُكِرَ في موصوفِه من كونِه فاعلاً أو مفعولاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى