نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما أرشد ختم الآية إلى العلة الحاملة(١) على الامتثال علل(٢) بعلة أخرى فقال(٣) :﴿ما يود الذين كفروا﴾ مطلقاً ﴿من أهل الكتاب(٤) اليهود والنصارى ﴿ولا﴾ من المشركين بأي نوع كان من أنواع الشرك بغضاً فيكم(٥) حسداً لكم
﴿أن ينزل عليكم﴾ وأكد الاستغراق بقوله :﴿من خير من ربكم﴾ أي(٦) المحسن إليكم، فكأنه(٧) قيل : للسماع علتان حاملتان عليه داعيتان(٨) إليه(٩) : إحداهما أخروية وهي(١٠) النعيم للمطيع والعذاب للعاصي، والأخرى دنيوية وهي مخالفة الأعداء، (١١)فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلاً عن أن تمتثلوه(١٢)، ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات(١٣) الكاملة، ولم يعطف ﴿ما يود﴾ لأنه مع ذلك علة للعلة، فكأنه قيل : لهم عذاب أليم لأنهم يودون(١٤) لكم خيراً ؛ فسماعكم من جملة عذابهم، لأنه واقع على خلاف ودادتهم(١٥) مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم وتمنيهم(١٦) كفركم(١٧)، ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها(١٨) من التحريض على الكتاب الذي لا ريب فيه.
ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف التام(١٩)، رضي من رضي وسخط من سخط فقال معلقاً الأمر بالاسم الأعظم الجامع :﴿والله﴾ أي(٢٠) (٢١)ما يودون والحال أن(٢٢) ذا(٢٣) الأسماء الحسنى ﴿يختص﴾ (٢٤)ولما كان المنزل أتم الرحمة عبر عنه بقوله(٢٥) :﴿برحمته﴾ التي وسعت كل شيء من الهداية والعلم وغير ذلك ﴿من يشاء﴾(٢٦) أي يجعله مختصاً أي منفرداً بها(٢٧) من بين الناس، ولو كان عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما كانوا يرون من جهلهم وضلالهم (٢٨)وجفائهم واختلال(٢٩) أحوالهم ؛ و " الاختصاص " عناية تعين المختص لمرتبة(٣٠) ينفرد بها دون غيره، و " الرحمة " (٣١) نحلة(٣٢) ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه، أدناه كشف الضر وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب - قاله الحرالي. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص نفاه(٣٣) بقوله مصدراً له(٣٤) بالاسم الأعظم أيضاً(٣٥) عاطفاً على ما أفهمه الاختصاص من نحو أن يقال تعريضاً باليهود : فالله بمن(٣٦) يزوي(٣٧) عنه الرحمة عليم(٣٨) ﴿والله﴾(٣٩) أي الملك الأعلى الذي له جميع العظمة والرحمة فلا(٤٠) كفوء له ﴿ذو الفضل العظيم﴾ أي الذي لا يحصر(٤١) بحد ولا يدخل تحت عد.
١ في م: الحاصلة.
٢ في م: علله..
٣ ليس في ظ.
٤ ذكر المفسرون أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ فقالوا: وددنا لو كان خيرا مما نحن عليه فنتبعه. فأكذبهم الله بقوله: ﴿ما يود الذين كفروا﴾ فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب الذين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر العموم في أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وفي المشركين وهم مشركو العرب وغيرهم -قاله أبو حيان الأندلسي..
٥ زيد في م: و.
٦ زيد في مد: من.
٧ في م: فإنه.
٨ وقع في الأصل راعيتان –كذا والتصحيح من م و ظ ومد.
٩ في ظ: إليهما.
١٠ ليس في مد.
١١ العبارة من هنا إلى "الأعداء" ليست في مد.
١٢ في ظ: يمتثلوه..
١٣ في م: الأدوات - كذا.
١٤ في م: لا يودون.
١٥ في مد: ودادهم..
١٦ في الأصل: تمنيهم –كذا والتصحيح من م و ظ ومد.
١٧ في م: كفرهم.
١٨ في ظ: يجدها- كذا.
١٩ في ظ: العام.
٢٠ زيد في م: الذي يعلم.
٢١ ليست في ظ.
٢٢ ليست في ظ.
٢٣ العبارة من هنا إلى "بين الناس" ليست في ظ.
٢٤ ليست في ظ.
٢٥ ليست في ظ.
٢٦ العبارة من هنا إلى "بين الناس" ليست في ظ.
٢٧ ليس في م.
٢٨ في مد: اختلال- فقط.
٢٩ في مد: اختلال فقط.
٣٠ في مد: لرتبة.
٣١ و "الرحمة" هنا عامة بجميع أنوعها، أو النبوة والحكمة والنصرة، اختص بها محمد صلى الله عليه وسلم- قاله علي والباقر ومجاهد والزجاج، أو الإسلام –قاله ابن عباس، او القرآن أو النبي ﷺ ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وهو نبي الرحمة –أقوال خمسة أظهرها الأول –البحر المحيط ١/٣٤١.
٣٢ من ظ و م، وفي الأصل: نحلة، وفي مد: نحلة- كذا.
٣٣ في ظ: بقا -كذا.
٣٤ ليس في م.
٣٥ العبارة من هنا إلى "الرحمة عليهم" ليست في ظ.
٣٦ في م: ممن، وفي مد: عن.
٣٧ في مد: يروى.
٣٨ في مد: عليهم..
٣٩ العبارة من هنا إلى "له" ليست في ظ.
٤٠ في م: ولا.
٤١ في م: لا يحضر، وفي مد: لا يحصر، وفي الأصل: لا يحضر -كذا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى