اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما بين حال اليهود والكفار في العَدَاوة والمعاندة وصفهم بما يوجب الحَذَر منهم فقال :﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فنفى عن قلوبهم الودّ والمحبة لكلّ ما يظهر به فضل المؤمنين.
قوله :﴿مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ : في " من " قولان :
أحدهما : أنها للتبعيض، فتكون هي ومجرورها في محلّ نصب على الحال، ويتعلّق بمحذوف أي : ما يودّ الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب.
والثاني : أنها لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري ؛ لأن " الذين كفروا " جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١].
قوله :" وَلاَ الْمُشْرِكِينَ " عطف على " أهل " المجرور ب " من " و " لا " زائدة للتوكيد ؛ لأن المعنى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كقوله :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ بغير زيادة " لا ".
وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار، وأن الأصل ولا المشركون، عطفاً على الذين، وإنما خفض للمجاورة، نحو ﴿بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾
[المائدة: ٦] في قراءة(١) الجر، وليس بواضح.
وقال النحاس : ويجوز : ولا المشركون بعطفه على " الذين " وقال أبو البقاء رحمه الله : وإن كان قد قرئ :" وَلاَ المُشْرِكُونَ " بالرفع فهو عطف على الفاعل، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادّعاء الخفض على الجوار.
قوله :" أَن يُنَزَّلَ " ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب " يودّ " أي : ما يود إنزاله من خير، وبني الفعل للمفعول للعمل بالفاعل ؛ وللتصريح به في قوله :" مِنْ ربِّكُمْ "، وأتي ب " ما " في النفي دون غيرها ؛ لأنها لنفي الحال، وهم كانوا متلبّسين بذلك.
قال القُرْطبي : و " أن " في موضع نصب، أي بأن ينزل.
قوله :" مِنْ خَيْرٍ " هذا هو القائم مقام الفاعل، و " من " زائدة، أي : أن ينزل خير من ربكم.
وحسن زيادتها هنا، وإن كان " ينزل " لم يباشره حرف النفي ؛ لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى ؛ لأنه إذا نفيت الوَدَادَة انتفى متعلّقها، وهذا له نظائر في كلامهم نحو :" ما أظن أحداً يقول ذلك إلاَّّ زيد " برفع " زيد " بدلاً من فاعل " يقول " وإن لم يباشر النفي، لكنه في قوة :" ما يقول أحد ذلك إلاَّ زيد في ظني ".
وقوله تعالى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] زيدت " الباء " ؛ لأنه في معنى : أو ليس الله بقادر، وهذا على رأي سيبويه وأتباعه.
وأما الكوفيّون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا.
وقيل " من " للتبعيض، أي : ما يودون أن يُنَزَّل من الخير قليل ولا كثير، فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل :" عليكم "، والمعنى : أن ينزل عليكم بخير من الخُيُور.
والمراد بالخير هنا الوَحْي.
والمعنى : أنهم يرون أنفسهم أحقّ بأن يوحى إليهم فيحسدونكم، فبيّن سبحانه وتعالى أن حسدهم لا يؤثّر في زوال ذلك بقوله :﴿اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾.
قوله :" مِن رَبِّكُمْ " في " من " أيضاً قولان :
أحدهما : أنها لابتداء الغاية، فتتعلّق ب " ينزّل ".
والثاني : أنها للتبعيض، ولا بد حينئذ من حَذْف مضاف تقديره : من خُيُور ربّكم، وتتعلق حينئذ بمحذوف، لأنها ومجرورها صفة لقوله :" من خير " أي : من خير كائن من خُيُور ربكم، ويكون في محلّها وجهان :
الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، لأن " من " زائدة في " خير "، فهو مرفوع تقديراً لقيامه مقام الفاعل كما تقدم.
وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ " من " قولين :
الأولى : قيل : إنها للتبعيض، وقيل : أو لبيان الجنس.
وفي الثانية قولان : زائدة أو للتبعيض.
وفي الثالثة أيضاً قولان : لابتداء الغاية، أو التبعيض.
قوله :﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ هذه جملة ابتدائية تضمنت ردّ وَدَادَتهم ذلك.
و " يختص " يحتمل أن يكون متعديًّا، وأن يكون لازماً، فإن كان متعدياً كان فيه ضمير يعود على الله تعالى، وتكون " من " مفعولاً به أي يختص الله الذي يشاؤه برحْمته، ويكون معنى " افتعل " هنا معنى المجرد نحو : كسب مالاً واكتسبه، وإن كان لازماً لم يكن فيه ضمير، ويكون فاعله " من " أي : والله يختصّ برحمته الشَّخص الذي يشاؤه، ويكون " افتعل " بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو : اضطراب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا
[ يتبين فساد ](٢) قول من زعم أنه هنا متعدّ ليس إلاّ.
و " مَنْ " يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة، وعلى كلا التقديرين فلا بد من تقدير عائد، أي : يشاء اختصاصه.
ويجوز أن يضمن " يشاء " معنى يختار، فحينئذ لا حاجة إلى حَذْف مضاف، بل تقدره ضميراً فقط أي : يشاؤه، و " يشاء " على القول الأول لا محلّ له لكونه صلةً، وعلى الثاني محلّه النَّصب، أو الرفع على [ حسب ](٣) ما ذكر في موصوفه من كونه فاعلاً أو مفعولاً.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" يختصّ برحمته " أي بنبوّته، خص بها محمداً ﷺ.
وقيل : الرحمة القرآن.
وقيل : هنا عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً.
قوله :﴿مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ : في " من " قولان :
أحدهما : أنها للتبعيض، فتكون هي ومجرورها في محلّ نصب على الحال، ويتعلّق بمحذوف أي : ما يودّ الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب.
والثاني : أنها لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري ؛ لأن " الذين كفروا " جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١].
قوله :" وَلاَ الْمُشْرِكِينَ " عطف على " أهل " المجرور ب " من " و " لا " زائدة للتوكيد ؛ لأن المعنى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كقوله :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ بغير زيادة " لا ".
وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار، وأن الأصل ولا المشركون، عطفاً على الذين، وإنما خفض للمجاورة، نحو ﴿بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾
[المائدة: ٦] في قراءة(١) الجر، وليس بواضح.
وقال النحاس : ويجوز : ولا المشركون بعطفه على " الذين " وقال أبو البقاء رحمه الله : وإن كان قد قرئ :" وَلاَ المُشْرِكُونَ " بالرفع فهو عطف على الفاعل، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادّعاء الخفض على الجوار.
قوله :" أَن يُنَزَّلَ " ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول ب " يودّ " أي : ما يود إنزاله من خير، وبني الفعل للمفعول للعمل بالفاعل ؛ وللتصريح به في قوله :" مِنْ ربِّكُمْ "، وأتي ب " ما " في النفي دون غيرها ؛ لأنها لنفي الحال، وهم كانوا متلبّسين بذلك.
قال القُرْطبي : و " أن " في موضع نصب، أي بأن ينزل.
قوله :" مِنْ خَيْرٍ " هذا هو القائم مقام الفاعل، و " من " زائدة، أي : أن ينزل خير من ربكم.
وحسن زيادتها هنا، وإن كان " ينزل " لم يباشره حرف النفي ؛ لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى ؛ لأنه إذا نفيت الوَدَادَة انتفى متعلّقها، وهذا له نظائر في كلامهم نحو :" ما أظن أحداً يقول ذلك إلاَّّ زيد " برفع " زيد " بدلاً من فاعل " يقول " وإن لم يباشر النفي، لكنه في قوة :" ما يقول أحد ذلك إلاَّ زيد في ظني ".
وقوله تعالى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾ [الأحقاف: ٣٣] زيدت " الباء " ؛ لأنه في معنى : أو ليس الله بقادر، وهذا على رأي سيبويه وأتباعه.
وأما الكوفيّون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا.
وقيل " من " للتبعيض، أي : ما يودون أن يُنَزَّل من الخير قليل ولا كثير، فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل :" عليكم "، والمعنى : أن ينزل عليكم بخير من الخُيُور.
والمراد بالخير هنا الوَحْي.
والمعنى : أنهم يرون أنفسهم أحقّ بأن يوحى إليهم فيحسدونكم، فبيّن سبحانه وتعالى أن حسدهم لا يؤثّر في زوال ذلك بقوله :﴿اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾.
قوله :" مِن رَبِّكُمْ " في " من " أيضاً قولان :
أحدهما : أنها لابتداء الغاية، فتتعلّق ب " ينزّل ".
والثاني : أنها للتبعيض، ولا بد حينئذ من حَذْف مضاف تقديره : من خُيُور ربّكم، وتتعلق حينئذ بمحذوف، لأنها ومجرورها صفة لقوله :" من خير " أي : من خير كائن من خُيُور ربكم، ويكون في محلّها وجهان :
الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، لأن " من " زائدة في " خير "، فهو مرفوع تقديراً لقيامه مقام الفاعل كما تقدم.
وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ " من " قولين :
الأولى : قيل : إنها للتبعيض، وقيل : أو لبيان الجنس.
وفي الثانية قولان : زائدة أو للتبعيض.
وفي الثالثة أيضاً قولان : لابتداء الغاية، أو التبعيض.
قوله :﴿وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ هذه جملة ابتدائية تضمنت ردّ وَدَادَتهم ذلك.
و " يختص " يحتمل أن يكون متعديًّا، وأن يكون لازماً، فإن كان متعدياً كان فيه ضمير يعود على الله تعالى، وتكون " من " مفعولاً به أي يختص الله الذي يشاؤه برحْمته، ويكون معنى " افتعل " هنا معنى المجرد نحو : كسب مالاً واكتسبه، وإن كان لازماً لم يكن فيه ضمير، ويكون فاعله " من " أي : والله يختصّ برحمته الشَّخص الذي يشاؤه، ويكون " افتعل " بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو : اضطراب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا
[ يتبين فساد ](٢) قول من زعم أنه هنا متعدّ ليس إلاّ.
و " مَنْ " يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة، وعلى كلا التقديرين فلا بد من تقدير عائد، أي : يشاء اختصاصه.
ويجوز أن يضمن " يشاء " معنى يختار، فحينئذ لا حاجة إلى حَذْف مضاف، بل تقدره ضميراً فقط أي : يشاؤه، و " يشاء " على القول الأول لا محلّ له لكونه صلةً، وعلى الثاني محلّه النَّصب، أو الرفع على [ حسب ](٣) ما ذكر في موصوفه من كونه فاعلاً أو مفعولاً.
فصل في تفسير الرحمة في الآية
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" يختصّ برحمته " أي بنبوّته، خص بها محمداً ﷺ.
وقيل : الرحمة القرآن.
وقيل : هنا عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً.
١ - ستأتي في المائدة ٦..
٢ - في أ: يفسد..
٣ - سقط في ب..
٢ - في أ: يفسد..
٣ - سقط في ب..