البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ومن مساوئ اليهود أيضا الحسد والغل، وإليه أشاء الحق تعالى بقوله :﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
قلت : الود : محبة الشيء مع تمنيه و﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بيانية كقوله :﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، و﴿أَن يُنَزَّلَ﴾ معمول يود، و﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ صلة، و﴿مِّن رَّبكُمْ﴾ ابتدائية.
يقول الحق جلّ جلاله : ما يتمنى ﴿الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ إنزال خير عليكم ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ولا المشركون حسداً منهم، بل يتمنون أن تبقوا على ضلالتكم وذُلِّكُمْ، ﴿والله يختص برحمته﴾ كالنوبة والولاية ﴿من يشاء﴾ من عباده. فلا يجب عليه شيء ولا يمتنع عليه ممكن، ﴿وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فَيَمُنُّ بالنبوة أو الولاية على مَن يشاء فضلاً وإحساناً.
الإشارة : في الآية تنبيهان : أحدهما : أن من كان يحسد أهل الخصوصية وينكر عليهم، فيه نزعة يهودية، وخصلة من خصال المشركين، والثاني : أن حسد أهل الخصوصية والإنكار عليهم أمر شائع وسنة ماضية، فليوطن المريد نفسه على ذلك : وليعلم أنه ما يقال له إلا ما قيل لمن قبله، ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزَاب: ٦٢]، وما من نعمة إلا وعليها حسود.
وقال حاتم الطائي(١) :
ومِنْ حَسَدٍ يَجُورُ عَلَيَّ قَوميوأيُّ الدهر ذُو لَمْ يَحْسُدُوني
وبالله التوفيق.
١ البيت في ديوان حاتم الطائي ص ٢٧٦، وتخليص الشواهد ص ١٦٤، والمقاصد النحوية ١/٤٥١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/١٧٥، وشرح الأشموني ١/٨١..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى