تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ( البقرة : ١٠٧ ).
التفسير :
قوله تعالى :﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ أي أن الله وحده الذي له ملك السموات، والأرض : ملك الأعيان، والأوصاف، والتدبير ؛ فأعيان السموات، والأرض، وأوصافها ملك لله ؛ و " التدبير " يعني أنه تعالى يملك التدبير فيها كما يشاء : لا معارض له، ولا ممانع ؛ و
﴿السموات﴾ جمع سماء ؛ ويُطلق على العلو، وعلى السقف المحفوظ. وهو المراد هنا. ؛ وهي سبع سموات كما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية ؛ و ﴿الأرض﴾ أي جنس الأرضين، فيشمل السبع كلها..
قوله تعالى :﴿وما لكم من دون الله﴾ أي من سواه ؛ ﴿من ولي﴾ : فعيل بمعنى مفعل ؛ أي ما من أحد يتولاكم فيجلب لكم الخير ؛ ﴿ولا نصير﴾ أي ولا ناصر يدفع عنكم الشر ؛ و ﴿مِن﴾ : حرف جر زائد إعراباً ؛ ولكنه أصلي المعنى ؛ إذ إن الغرض منه التنصيص على العموم ؛ يعني ما لكم أيّ ولي..
الفوائد :
. ١ من فوائد الآية : تقرير عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى :﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ ؛ ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى :﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٣] ؛ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق ؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود، وناقص، وقاصر ؛ محدود من حين استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع، أو هبة، أو موت، أو غير ذلك ؛ كذلك هو ناقص : فهو لا يملك التصرف فيه كما يشاء ؛ بل تصرفه مقيد بما يباح له شرعاً ؛ ولهذا لو أراد أن يحرق ملكه لم يملك ذلك ؛ كذلك أيضاً ملك الإنسان قاصر ؛ فهو لا يملك إلا ما تحت يده ؛ فلا يشمل ملك الآخرين..
. ٢ ومن فوائد الآية : اختصاص ملك السموات، والأرض بالله ؛ وهذا مأخوذ من تقديم الخبر، حيث إن تقديم الخبر يدل على الحصر ؛ لقوله تعالى :﴿له ملك السموات والأرض﴾..
. ٣ ومنها : أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت ؛ فكأن قوله تعالى :﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ تعليل لقوله تعالى :﴿ما ننسخ من آية﴾ ؛ فالمالك للسموات والأرض يتصرف فيهما كما شاء..
. ٤ ومنها : أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد الله به سوءاً ؛ لقوله تعالى :{ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير
. ٥ ومنها : أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب الولاية، والنصر..
فإذا قال قائل : إن الله سبحانه وتعالى يقول :﴿هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢]، ويقول تعالى :﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾
[التوبة: ٤٠] ؛ فأثبت نصراً لغير الله..
فالجواب : أن إثبات النصر لغير الله إثبات للسبب فقط ؛ وليس نصراً مستقلاً ؛ والنصر المستقل من عند الله ؛ أما انتصار بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب ؛ وليس على وجه الاستقلال..
. ٦ ومن فوائد الآية : أن ما يريده الإنسان فهو إما جلب منفعة يحتاج إلى ولي يجلبها له ؛ وإما دفع مضرة يحتاج إلى نصير يدفعها عنه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى