البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الولي : فعيل للمبالغة، من ولي الشيء : جاوره ولصق به.
﴿ألم تعمل أن الله له ملك السموات والأرض﴾ ؟ هذا أيضاً استفهام دخل على النفي فهو تقرير، فليس له معادل، لأن التقرير معناه : الإيجاب، أي قد علمت أيها المخاطب أن الله له سلطان السموات والأرض والاستيلاء عليهما، فهو يملك أموركم ويدبرها، ويجريها على ما يختاره لكم من نسخ وغيره، وخص السموات والأرض بالملك، لأنهما من أعظم المخلوقات، ولأنهما قد اشتملا على جميع المخلوقات.
وإذا كان استيلاؤه على الطرفين، كان مستولياً على ما اشتملا عليه، أو لأنه يعبر عن مخلوقاته العلوية بالسموات، والسفلية بالأرض.
وتضمنت هاتان الجملتان التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما : القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادراً، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل.
فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة.
وبدأ بالتقرير على وصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان.
﴿وما لكم من دون الله﴾ : انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصاً في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكون عاماً أيضاً، كان المعنى : وما لكل فرد منكم فرد فرد.
﴿من ولي ولا نصير﴾ : وأتى بصيغة ولي، وهو فعيل، للمبالغة، ولأنه أكثر في الاستعمال، ولذلك لم يجيء في القرآن وال إلا في سورة الرعد، لمواخاة الفواصل، وأتى بنصير على وزن فعيل، لمناسبة وليّ في كونهما على فعيل، ولمناسبة أواخر الآي، ولأنه أبلغ من فاعل.
ومن زائدة في قوله :﴿من ولي﴾، فلا تتعلق بشيء.
ومن : في ﴿من دون الله﴾ متعلقة بما يتعلق به المجرور الذي هو لكم، وهو يتعلق بمحذوف، إذ هو في موضع الخبر، ويجوز في ما هذه أن تكون تميمية، ويجوز أن تكون حجازية على ذهب من يجيز تقدم خبرها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً.
أما من منع ذلك فلا يجوز في ما أن تكون حجازية، ومعنى من الأولى ابتداء الغاية.
وتكرر اسم الله ظاهراً في هذه الجمل الثلاث، ولم يضمر للدلالة على استقلال كل جملة منها، وأنها لم تجعل مرتبطة بعضها ببعض ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار.
ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهو إيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفياً للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة الله وسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها : افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.
﴿ألم تعمل أن الله له ملك السموات والأرض﴾ ؟ هذا أيضاً استفهام دخل على النفي فهو تقرير، فليس له معادل، لأن التقرير معناه : الإيجاب، أي قد علمت أيها المخاطب أن الله له سلطان السموات والأرض والاستيلاء عليهما، فهو يملك أموركم ويدبرها، ويجريها على ما يختاره لكم من نسخ وغيره، وخص السموات والأرض بالملك، لأنهما من أعظم المخلوقات، ولأنهما قد اشتملا على جميع المخلوقات.
وإذا كان استيلاؤه على الطرفين، كان مستولياً على ما اشتملا عليه، أو لأنه يعبر عن مخلوقاته العلوية بالسموات، والسفلية بالأرض.
وتضمنت هاتان الجملتان التقرير على الوصفين اللذين بهما كمال التصرف، وهما : القدرة والاستيلاء، لأن الشخص قد يكون قادراً، بمعنى أن له استطاعة على فعل شيء، لكنه ليس له استيلاء على ذلك الشيء، فينفذ فيه ما يستطيع أن يفعل.
فإذا اجتمعت الاستطاعة وعدم المانعية، كمل بذلك التصرف مع الإرادة.
وبدأ بالتقرير على وصف القدرة، لأنه آكد من وصف الاستيلاء والسلطان.
﴿وما لكم من دون الله﴾ : انتقل من ضمير الإفراد في الخطاب إلى ضمير الجماعة، وناسب الجمع هنا، لأن المنفي بدخول من عليه صار نصاً في العموم، فناسب كون المنفي عنه يكون عاماً أيضاً، كان المعنى : وما لكل فرد منكم فرد فرد.
﴿من ولي ولا نصير﴾ : وأتى بصيغة ولي، وهو فعيل، للمبالغة، ولأنه أكثر في الاستعمال، ولذلك لم يجيء في القرآن وال إلا في سورة الرعد، لمواخاة الفواصل، وأتى بنصير على وزن فعيل، لمناسبة وليّ في كونهما على فعيل، ولمناسبة أواخر الآي، ولأنه أبلغ من فاعل.
ومن زائدة في قوله :﴿من ولي﴾، فلا تتعلق بشيء.
ومن : في ﴿من دون الله﴾ متعلقة بما يتعلق به المجرور الذي هو لكم، وهو يتعلق بمحذوف، إذ هو في موضع الخبر، ويجوز في ما هذه أن تكون تميمية، ويجوز أن تكون حجازية على ذهب من يجيز تقدم خبرها، إذا كان ظرفاً أو مجروراً.
أما من منع ذلك فلا يجوز في ما أن تكون حجازية، ومعنى من الأولى ابتداء الغاية.
وتكرر اسم الله ظاهراً في هذه الجمل الثلاث، ولم يضمر للدلالة على استقلال كل جملة منها، وأنها لم تجعل مرتبطة بعضها ببعض ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار.
ولما كانت الجملتان الأوليان للتقرير، وهو إيجاب من حيث المعنى، ناسب أن تكون الجملة الثالثة نفياً للولي والناصر، أي أن الأشياء التي هي تحت قدرة الله وسلطانه واستيلائه، فالله تعالى لا يحجزه عما يريد بها شيء، ولا مغالب له تعالى فيما يريد.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.