تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أي : وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه ؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة. ولهذا جاء في الصحيح :" إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته " (١). ولما سُئِل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك ؛ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها. ثم أنزل الله حكم الملاعنة(٢). ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة : أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال(٣) وفي صحيح مسلم :" ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن(٤) نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " (٥). وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج. فقال رجل : أكُل عام يا رسول الله ؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال، عليه السلام :" لا ولو قلت : نعم لوجَبَتْ، ولو وَجَبَتْ لما استطعتم ". ثم قال :" ذروني ما تركتكم " الحديث. وهكذا قال أنس بن مالك : نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي(٦) الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع(٧).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال : إن كان ليأتي علَيَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار : حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن ثنْتَي عشرة مسألة، كلها في القرآن :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] يعني : هذا وأشباهه(٨).
وقوله تعالى :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي : بل تريدون. أو هي(٩) على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه، عليه السلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى :﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد [ بن جبير ](١٠) عن ابن عباس، قال : قال رافع بن حُرَيْمَلة - أو وهب بن زيد - : يا محمد، ائتنا بكتاب تُنزلُه علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾(١١) قال : قال رجل : يا رسول الله، لو كانت كَفَّاراتنا كَفَّارات(١٢) بني إسرائيل ! فقال النبي ﷺ :" اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خَيْر مما أعطى بني إسرائيل، كانت(١٣) بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفَّارتها، فإن كفرها كانت له خزْيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة. فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل ". قال :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال :" الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ". وقال :" من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك ". فأنزل الله :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾
وقال مجاهد :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يريهم الله جهرة، قال : سألت قريش محمدا ﷺ أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا. قال :" نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم "، فأبوا ورجعوا.
وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم.
والمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسولَ ﷺ عن شَيء، على وجه التعنُّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى، عليه السلام، تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا، قال الله تعالى :﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ﴾ أي : من يَشْتَر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي : فقد خرج عن(١٤) الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
وقال أبو العالية : يتبدل الشدة بالرخاء.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال : إن كان ليأتي علَيَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار : حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ، ما سألوه إلا عن ثنْتَي عشرة مسألة، كلها في القرآن :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] يعني : هذا وأشباهه(٨).
وقوله تعالى :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي : بل تريدون. أو هي(٩) على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه، عليه السلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى :﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد [ بن جبير ](١٠) عن ابن عباس، قال : قال رافع بن حُرَيْمَلة - أو وهب بن زيد - : يا محمد، ائتنا بكتاب تُنزلُه علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾(١١) قال : قال رجل : يا رسول الله، لو كانت كَفَّاراتنا كَفَّارات(١٢) بني إسرائيل ! فقال النبي ﷺ :" اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خَيْر مما أعطى بني إسرائيل، كانت(١٣) بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفَّارتها، فإن كفرها كانت له خزْيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة. فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل ". قال :﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال :" الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ". وقال :" من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك ". فأنزل الله :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾
وقال مجاهد :﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يريهم الله جهرة، قال : سألت قريش محمدا ﷺ أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا. قال :" نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم "، فأبوا ورجعوا.
وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم.
والمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسولَ ﷺ عن شَيء، على وجه التعنُّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى، عليه السلام، تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا، قال الله تعالى :﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ﴾ أي : من يَشْتَر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي : فقد خرج عن(١٤) الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
وقال أبو العالية : يتبدل الشدة بالرخاء.
١ صحيح البخاري برقم (٧٢٨٩) وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه..
٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٣٠٨، ٥٢٥٩) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه..
٣ صحيح البخاري برقم (١٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٥٩٣)..
٤ في ط، ب، أ، و: "وإذا"..
٥ صحيح مسلم برقم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٦ في جـ: "أن يجيء"..
٧ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢)..
٨ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٤٥٤) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن محمد بن فضيل به مطولاً..
٩ في جـ: "وقيل بل هي"..
١٠ زيادة من جـ..
١١ زيادة من جـ، ط..
١٢ في أ، و: "ككفارات"..
١٣ في جـ: "قال: كانت"..
١٤ في أ: "من"..
٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٣٠٨، ٥٢٥٩) ومسلم في صحيحه برقم (١٤٩٢) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه..
٣ صحيح البخاري برقم (١٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٥٩٣)..
٤ في ط، ب، أ، و: "وإذا"..
٥ صحيح مسلم برقم (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٦ في جـ: "أن يجيء"..
٧ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢)..
٨ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/٤٥٤) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن محمد بن فضيل به مطولاً..
٩ في جـ: "وقيل بل هي"..
١٠ زيادة من جـ..
١١ زيادة من جـ، ط..
١٢ في أ، و: "ككفارات"..
١٣ في جـ: "قال: كانت"..
١٤ في أ: "من"..