البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ : لما أمر بالعفو والصفح، أمر بالمواظبة على عمودي الإسلام : العبادة البدنية، والعبادة المالية، إذ الصلاة فيها مناجاة الله تعالى والتلذذ بالوقوف بين يديه، والزكاة فيها الإحسان إلى الخلق بالإيثار على النفس، فأمروا بالوقوف بين يدي الحق وبالإحسان إلى الخلق.
قال الطبري : إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود : راعنا، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر المؤمنون بما يحطه.
انتهى كلامه.
وليس له ذلك الظهور.
﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ : لما قدم الأمر بالصلاة والزكاة أتى بهذه الجملة الشرطية عامة لجميع أنواع الخير، فيندرج فيها الصلاة والزكاة وغيرهما.
والقول في إعراب ما ومن خير، كالقول في إعراب : ما ننسخ من آية، من أنهم قالوا : يجوز أن تكون ما مفعولة، ومن خير : حال أو مصدر، ومن خير : مفعول، أو مفعولة، ومن خير : تمييز أو مفعولة، ومن خير، تبعيضية متعلقة بمحذوف وهو الذي اخترناه.
لأنفسكم : متعلق بتقدموا، وهو على حذف مضاف، أي لنجاة أنفسكم وحياتها، قال تعالى :﴿يقول يا ليتني قدمت لحياتي﴾ وقد فسر الخير هنا بالزكاة والصدقة، والأظهر العموم تجدوه جواب الشرط، والهاء عائدة على ما، والخيور المتقدمة هي أفعال منقضية.
ونفس ذلك المنقضي لا يوجد، فإنما ذلك على حذف مضاف، أي تجدوا ثوابه.
فجعل وجوب ما ترتب على وجوداً له، وتجدوه متعد إلى واحد، لأنه بمعنى الإصابة.
والعامل في قوله :﴿عند الله﴾، إما نفس الفعل، أو محذوف، فيكون في معنى الحال من الضمير، أي تجدوه مدّخراً ومعدًّا عند الله.
والظرفية هنا المكاتبة ممتنعة، وإنما هي مجاز بمعنى القبل، كما تقول لك : عندي يد، أي في قبلي، أو بمعنى في علم الله نحو :﴿وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة﴾ أي في علمه وقضائه، أو بمعنى الاختصاص بالإضافة إلى الله تعالى تعظيماً كقوله :﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته﴾ ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾ : المجيء بالإسم الظاهر يدل على استقلال الجمل، فلذلك جاء إن الله، ولم يجىء إنه، مع إمكان ذلك في الكلام.
وهذه جملة خبرية ظاهرة التناسب في ختم ما قبلها بها، تتضمن الوعد والوعيد.
وكنى بقوله : بصير عن علم المشاهد، أي لا يخفى عليه عمل عامل ولا يضيعه، ومن كان مبصراً لفعلك، لم يخف عليه، هل هو خير أو شر، وأتى بلفظ بصير دون مبصراً، إما لأنه من بصر، فهو يدل على التمكن والسجية في حق الإنسان، أو لأنه فعل للمبالغة بمعنى مفعل، الذي هو للتكثير.
ويحتمل أن يكون فعيل بمعنى مفعل، كالسميع بمعنى المسمع، قال بعض الصوفية : على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات، واثقاً بأن ما تقدمه من صدق المجاهدات ستزكو ثمرته في آخر الحالات، وأنشدوا :
سابق إلى الخير وبادر بهفإنما خلفك ما تعلم
وقدم الخير فكل امرىءعلى الذي قدمه يقدم
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها : افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى