البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الوجه : معروف، ويجمع قلة على أوجه، وكثرة على وجوه، فينقاس أفعل في فعل الاسم الصحيح العين، وينقاس فعول في فعل الاسم ليس عينه واواً.
﴿بلى﴾ : رد لقولهم :﴿لن يدخل الجنة﴾، والكلام فيها كالكلام الذي تقدّم في قوله :﴿بلى من كسب سيئة﴾ وقبل ذلك :﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ وكلاهما فيه نفي وإيجاب، إلا أن ذلك استثناء مفرّغ من الأزمان، وهذا استثناء مفرّغ من الفاعلين.
وأبعد من ذهب إلى أن بلى رد لما تضمن قوله :﴿قل هاتوا برهانكم﴾ من النفي، لأن معناه لا برهان لكم على صدق دعواكم، فأثبت ببلى أن لمن أسلم وجهه برهاناً، وهذا ينبو عنه اللفظ.
﴿من أسلم وجهه لله﴾ : الكلام في : من، كالكلام في : من، من قوله :﴿من كسب سيئة﴾، والأظهر أنها مبتدأة، وجوّزوا أن تكون فاعلة، أي يدخلها من أسلم، وإذا كانت مبتدأة، فلا يتعين أن تكون شرطية.
فالجملة بعدها هي الخبر، وجواب الشرط ﴿فله أجره﴾.
وإذا كانت موصولة، فالجملة بعدها صلة لا موضع لها من الإعراب، والخبر هو ما دخلت عليه الفاء من الجملة الابتدائية، وإذا كانت من فاعلة فقوله :﴿فله أجره﴾ جملة اسمية معطوفة على ذلك الفعل الرافع لمن.
والوجه هنا يحتمل أن يراد به الجارحة خص بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء، أو لأنه فيه أكثر الحواس، أو لأنه عبر به عن الذات ومنه :﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾
، ويحتمل أن يراد به الجهة، والمعنى : أخلص طريقته في الدين لله.
وقال مقاتل : أخلص دينه.
وقال ابن عباس : أخلص عمله لله.
وقيل : قصده.
وقيل : فوّض أمره إلى الله تعالى.
وقيل : خضع وتواضع.
وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضاً.
وهذا نظير ما يقوله النحوي : الفاعل زيد من قولك، قام زيد، وآخر يقول : جعفر من خرج جعفر، وآخر يقول : عمرو من انطلق عمرو، وهذا أحسن ما يظن بالسلف رحمهم الله، فيما جاء عنهم من هذا النوع.
﴿وهو محسن﴾ : جملة حالية، وهي مؤكدة من حيث المعنى، لأن من أسلم وجهه لله فهو محسن.
وقد قيد الزمخشري الإحسان بالعمل ؛ وجعل معنى قوله :﴿من أسلم وجهه لله﴾ : من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، وهو محسن في عمله، فصارت الحال هنا مبينة، إذ من لا يشرك قسمان : محسن في عمله، وغير محسن، وذلك منه جنوح إلى مذهبه الاعتزالي من أن العمل لا بد منه، وأنه بهما يستوجب دخول الجنة، ولذلك فسر قوله :﴿فله أجره﴾ الذي يستوجبه، وقد فسر رسول الله ﷺ حقيقة الإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته فقال :« أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » وقد فسر هنا الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر، والانتهاء عن المناهي.
﴿فله أجره عند ربه﴾ : العامل في عند هو العامل في له، أي فأجره مستقر له عند ربه، ولما أحال أجره على الله أضاف الظرف إلى لفظه ربه، أي الناظر في مصالحة ومربيه ومدبر أحواله، ليكون ذلك أطمع له، فلذلك أتى بصفة الرب، ولم يأت بالضمير العائد على الله في الجملة قبله، ولا بالظاهر بلفظ الله.
فلم يأت فله أجره عنده، لما ذكرناه، ولقلق الإتيان بهذه الضمائر، ولم يأت فله أجره عند الله، لما ذكرنا من المعنى الذي دل عليه لفظ الرب.
﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ : جمع الضمير في قوله :﴿عليهم ولا هم يحزنون﴾ حملاً على معنى من، وحمل أوّلاً على اللفظ في قوله :﴿من أسلم وجهه له وهو محسن فله أجره عند ربه﴾، وهذا هو الأفصح، وهو أن يبدأ أولاً بالحمل على اللفظ، ثم بالحمل على المعنى.
وقد تقدم تفسير هذه الجملة.
وقراءة ابن محيصن : فلا خوف، برفع الفاء من غير تنوين، باختلاف عنه.
وقراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب وغيرهم : فلا خوف، بالفتح من غير تنوين، وتوجيه ذلك، فأغنى عن إعادته هنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة أشياء منها : افتتاحها بحسن النداء، وإثبات وصف الإيمان لهم، وتنبيههم على تعلم أدب من آداب الشريعة، بأن نهوا عن قول لفظ لإيهام مّا إلى لفظ أنص في المقصود، وأصرح في المطلوب.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.
﴿بلى﴾ : رد لقولهم :﴿لن يدخل الجنة﴾، والكلام فيها كالكلام الذي تقدّم في قوله :﴿بلى من كسب سيئة﴾ وقبل ذلك :﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ وكلاهما فيه نفي وإيجاب، إلا أن ذلك استثناء مفرّغ من الأزمان، وهذا استثناء مفرّغ من الفاعلين.
وأبعد من ذهب إلى أن بلى رد لما تضمن قوله :﴿قل هاتوا برهانكم﴾ من النفي، لأن معناه لا برهان لكم على صدق دعواكم، فأثبت ببلى أن لمن أسلم وجهه برهاناً، وهذا ينبو عنه اللفظ.
﴿من أسلم وجهه لله﴾ : الكلام في : من، كالكلام في : من، من قوله :﴿من كسب سيئة﴾، والأظهر أنها مبتدأة، وجوّزوا أن تكون فاعلة، أي يدخلها من أسلم، وإذا كانت مبتدأة، فلا يتعين أن تكون شرطية.
فالجملة بعدها هي الخبر، وجواب الشرط ﴿فله أجره﴾.
وإذا كانت موصولة، فالجملة بعدها صلة لا موضع لها من الإعراب، والخبر هو ما دخلت عليه الفاء من الجملة الابتدائية، وإذا كانت من فاعلة فقوله :﴿فله أجره﴾ جملة اسمية معطوفة على ذلك الفعل الرافع لمن.
والوجه هنا يحتمل أن يراد به الجارحة خص بالذكر، لأنه أشرف الأعضاء، أو لأنه فيه أكثر الحواس، أو لأنه عبر به عن الذات ومنه :﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾
، ويحتمل أن يراد به الجهة، والمعنى : أخلص طريقته في الدين لله.
وقال مقاتل : أخلص دينه.
وقال ابن عباس : أخلص عمله لله.
وقيل : قصده.
وقيل : فوّض أمره إلى الله تعالى.
وقيل : خضع وتواضع.
وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضاً.
وهذا نظير ما يقوله النحوي : الفاعل زيد من قولك، قام زيد، وآخر يقول : جعفر من خرج جعفر، وآخر يقول : عمرو من انطلق عمرو، وهذا أحسن ما يظن بالسلف رحمهم الله، فيما جاء عنهم من هذا النوع.
﴿وهو محسن﴾ : جملة حالية، وهي مؤكدة من حيث المعنى، لأن من أسلم وجهه لله فهو محسن.
وقد قيد الزمخشري الإحسان بالعمل ؛ وجعل معنى قوله :﴿من أسلم وجهه لله﴾ : من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، وهو محسن في عمله، فصارت الحال هنا مبينة، إذ من لا يشرك قسمان : محسن في عمله، وغير محسن، وذلك منه جنوح إلى مذهبه الاعتزالي من أن العمل لا بد منه، وأنه بهما يستوجب دخول الجنة، ولذلك فسر قوله :﴿فله أجره﴾ الذي يستوجبه، وقد فسر رسول الله ﷺ حقيقة الإحسان الشرعي حين سئل عن ماهيته فقال :« أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » وقد فسر هنا الإحسان بالإخلاص، وفسر بالإيمان، وفسر بالقيام بالأوامر، والانتهاء عن المناهي.
﴿فله أجره عند ربه﴾ : العامل في عند هو العامل في له، أي فأجره مستقر له عند ربه، ولما أحال أجره على الله أضاف الظرف إلى لفظه ربه، أي الناظر في مصالحة ومربيه ومدبر أحواله، ليكون ذلك أطمع له، فلذلك أتى بصفة الرب، ولم يأت بالضمير العائد على الله في الجملة قبله، ولا بالظاهر بلفظ الله.
فلم يأت فله أجره عنده، لما ذكرناه، ولقلق الإتيان بهذه الضمائر، ولم يأت فله أجره عند الله، لما ذكرنا من المعنى الذي دل عليه لفظ الرب.
﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ : جمع الضمير في قوله :﴿عليهم ولا هم يحزنون﴾ حملاً على معنى من، وحمل أوّلاً على اللفظ في قوله :﴿من أسلم وجهه له وهو محسن فله أجره عند ربه﴾، وهذا هو الأفصح، وهو أن يبدأ أولاً بالحمل على اللفظ، ثم بالحمل على المعنى.
وقد تقدم تفسير هذه الجملة.
وقراءة ابن محيصن : فلا خوف، برفع الفاء من غير تنوين، باختلاف عنه.
وقراءة الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب وغيرهم : فلا خوف، بالفتح من غير تنوين، وتوجيه ذلك، فأغنى عن إعادته هنا.
ثم ذكر ما للمخالف من العذاب الذي يذله ويهينه.
ثم نبه على أن هذا الذي أمرتم به هو خير، وأن الكفار لا يودّون أن ينزل عليكم شيء من الخير.
ثم ذكر أن ذلك ليس راجعاً لشهواتهم، ولا لتمنيهم، بل ذلك أمر إلهي يختص به من يشاء، وأنه تعالى هو صاحب الفضل الواسع.
ولما كان صدر الآية فيه انتقال من لفظ إلى لفظ، وأن الثاني صار أنص في المقصود بين أن ما يفعله الله تعالى من النسخ، فإنما ذلك لحكمة منه، فيأتي بأفضل مما نسخ أو بما ماثله.
وإن من كان قادراً على كل شيء، فله التصرّف بما يريد من نسخ وغيره.
ونبه المخاطب على علمه بقدرة الله تعالى، وبملكه الشامل لسائر المخلوقات، وإنما نحن ما لنا من دونه من مانع يمنعنا منه.
فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، ثم أنكر على من تعلقت إرادته بأن يسأل رسول الله ﷺ سؤالاً غير جائز، كسؤالات قوم موسى له.
ثم ذكر أن من آثر الكفر على الإيمان، فقد خرج عن قصد المنهج.
ثم ذكر أن الكثير من أهل الكتاب يودون ارتدادكم، وأن الحامل لهم على ذلك الحسد.
ثم أمروا بالموادعة والصفح، وغيا ذلك بأمر الله، فإذا أتى أمر الله ارتفع الأمر بالعفو والصفح.
ثم اختتم الآية بذكر قدره الله تعالى على كل شيء، لأن قبله وعداً بتغيير حال، فناسب ذلك ذكر القدرة.
ثم أمرهم بما يقطع عنهم تلفت أقوال الكفار، وهي الصلاة والزكاة، وأخبر أن ما قدمتموه من الخير فإنه لا يضيع عند الله، بل تجدوه مذخوراً لكم.
ثم اختتم ذلك حيث نبه على أن ما عمل من الخير هو عند الله، بذكر صفة البصر التي تدل على مشاهدة الأشياء ومعاينتها.
ثم نعى على اليهود والنصارى من دعواهم أنهم مختصون بدخول الجنة، وأن ذلك أكذوبة من أكاذيبهم المعروفة، وأنهم طولبوا بإقامة البرهان على دعوى الاختصاص.
ثم ذكر أن من انقاد ظاهراً وباطناً لله تعالى فله أجره وهو آمن، فلا يخاف مما يأتي ولا يحزن على ما مضى.
ثم أخذ يذكر مقالات النصارى واليهود بعضهم في بعض، وأنها مقالة من أظهر التبرّؤ مما جاءت به الرسل وأفصحت عنه الكتب المنزلة، وذلك كله على جهة العناد، لأنهم تالون للكتب عالمون بما انطوت عليه، فصاروا في الحياة الدنيا على مثل حالهم في الآخرة.
كما أخبر تعالى عنهم بقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ ثم ذكر أن مقالتهم تلك، وإن كانوا عالمين، فهي مماثلة لمقالة من لا يعلم، ثم ختم ذلك بالوعيد الذي يتضمن الحكم وفصل الباطل من الحق، وأنه تعالى هو المتولي ذلك ليجازيهم على كفرهم.