فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم ردّ عليهم، فقال :﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ﴾. وهو : إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، أي : ليس كما يقولون ؛ بل يدخلها من أسلم وجهه لله. ومعنى أسلم : استسلم، وقيل : أخلص. وخص الوجه ؛ بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان. ولأنه موضع الحواس الظاهرة. وفيه يظهر العزّ والذل، وقيل إن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، وأن المعنى هنا الوجه وغيره. وقيل : المراد بالوجه هنا المقصد، أي : من أخلص مقصده وقوله :﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في محل نصب على الحال، والضمير في قوله :﴿وَجْهَهُ﴾ ﴿وَلَهُ﴾ باعتبار لفظ من، وفي قوله :﴿عَلَيْهِمْ﴾ باعتبار معناها. وقوله :﴿مِنْ﴾ إن كانت الموصولة، فهي فاعل لفعل محذوف أي : بلى يدخلها من أسلم. وقوله :﴿فَلَهُ﴾ معطوف على :﴿من أسلم﴾ وإن كانت «من » شرطية، فقوله :﴿فله﴾ هو : الجزاء، ومجموع الشرط، والجزاء ردّ على أهل الكتاب، وإبطال لتلك الدعوى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجنة﴾ الآية، قال : قالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً :﴿تِلْكَ أَمَانِيهمْ﴾ قال : أمانيّ يتمنونها على الله بغير حق :﴿قُلْ هَاتُوا برهانكم﴾ قال : حجتكم :﴿إِن كُنتُمْ صادقين﴾ بما تقولونه أنه كما تقولون :﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول : أخلص لله. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد في قوله :﴿قُلْ هَاتُوا برهانكم﴾ قال : حجتكم، وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ قال : أخلص دينه.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء وكفر بعيسى والإنجيل، فقال له رجل من أهل نجران : ما أنتم على شيء، وجحد نبوّة موسى، وكفر بالتوراة، قال : فأنزل الله في ذلك :﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب﴾ أي : كلّ يتلو في كتابه تصديق من كفر به. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال : هم : أمم كانت قبل اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير عن السدي قال : هم العرب قالوا ليس محمد على شيء.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال رافع بن حريملة : ما أنتم على شيء وكفر بعيسى والإنجيل، فقال له رجل من أهل نجران : ما أنتم على شيء، وجحد نبوّة موسى، وكفر بالتوراة، قال : فأنزل الله في ذلك :﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْء وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب﴾ أي : كلّ يتلو في كتابه تصديق من كفر به. وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال : هم : أمم كانت قبل اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير عن السدي قال : هم العرب قالوا ليس محمد على شيء.