اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
اعلم أن القوم لما أَصرُّوا على العِنَادِ واللّجَاج الباطل، واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بيّن الله تعالى لرسوله ﷺ أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة.
قوله :" بالحَقِّ " يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون مفعولاً به، أي : بسبب إقامة الحق.
الثاني : أن يكون حالاً من المفعول في " أَرْسَلْنَاكَ " أي : أرسلناك ملتبساً بالحق.
الثالث : أن يكون حالاً من الفاعل، أي : ملتبسين في الحق.
وفيه وجوه :
أحدها : أنه الصدق كقوله تعالى :﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] أي : صدق وقال ابن عباس رضي الله عنهما :" بالقرآن "، لقوله تعالى :﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥].
وقال ابن كيسان :" بالإسلام وشرائعه "، لقوله تعالى :﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾
[الإسراء: ٨١]، وقال مقاتل :" لم نُرسِلْك عبثاً وإنما أرسلناك بالحق " لقوله عز وجل :﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾
[الأحقاف: ٣] وعلى هذه الأقوال في تعلّق هذا الجار وجوه :
أحدها : أنه متعلّق بالإرسال.
وثانيها : أنه متعلّق بالبشير والنذير أي : أنت مبشر بالحق ومنذر به.
وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونك بشيراً لمن أطاع الله بالثواب، ونذيراً لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير حالاً من الرسول، أي : أرسلناك بالحق لتكون بشيراً ونذيراً لمن اتبعك [ ونذيراً لمن كفر بك ] ويجوز أن يكون بشيراً ونذيراً حالاً من " الحق " ؛ لأنه يوصف أيضاً بالبشارة والنَّذَارة، وبشير ونذير على صيغة " فعيل ".
أما بشير فتقول : هو من بَشَرَ مخففاً ؛ لأنه مسموع فيه، و " فعيل " مطرد من الثلاثي.
وأما :" نذير " فمن الرباعي، ولا ينقاس عَدْل مُفْعِل إلى فَعِيل، إلا أن له هنا مُحَسِّناً.
قوله تعالى :" وَلاَ تُسْأَلُ " قرأ الجمهور :" تُسْأَلُ " مبنيًّا للمفعول مع رفع الفعل على النفي، وفي معنى هذه القراءة وجوه :
أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم، فمعصيتهم لا تضّرك، ولست مسؤولاً عن ذلك، وهو كقوله :﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله :﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤].
الثاني : أنك هَادٍ وليس لك من الأمر شيء، ولا تَغْتَمّ لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب، ونظيره قوله تعالى :﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
الثالث : أنك لا تسأل عن ذَنْب غيرك ويعضد هذه القراءة قراءة أُبَيّ :" وما تسأل "، وقراءة عبد الله " ولن تسأل ".
وقال مقاتل رحمه الله تعالى : إن النبي ﷺ قال :" لَوْ أنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ بَأْسَهُ بِاليَهُودِ لآمَنُوا(١) " ؛ فأنزل الله تعالى :﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ وقُرئ " تَسْألُ " مبيناً للفاعل مرفوعاً أيضاً، وفي هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنه حال، فيكون معطوفاً على الحال قبلها، كأنه قيل : بشيراً أو نذيراً، وغير مسؤول.
والثاني : أن تكون مستأنفةً.
وقرأ نافع ويعقوب :" تَسْأَلْ " على النَّهي، وهذا مستأنف فقط، ولا يجوز أن تكون حالاً ؛ لأن الطَّلب لا يقع حالاً.
وفي المعنى على هذه القراءة وجهان :
الأول : روي أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة.
قال ابن الخطيب رحمه الله : وهذه الرواية بعيدة ؛ لأنه عليه الصَّلاة والسَّلام كان عالماً بكفرهم، وكان عالماً بأن الكافر معذّب، فمع هذا العلم لا يجوز أن يسأل.
والثاني : معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكُفَّار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بليّة، فيقال لك : لا تسأل عنه.
وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه :" ولن تسأل ".
وقرأ أبي :" وما تسأل " ؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفي أن يكون مسؤولاً عنهم.
والجحيم : شدّة توقّد النار، ومنه قيل لعين الأسد :" جَحْمَة " لشدة توقُّدها، يقال : جَحِمَتِ النَّارُ تَجْحَمُ ؛ ويقال لشَّدة الحر :" جاحم " ؛ قال :

[ مجزوء الكامل ]

٧٦٨- وَالحَرْبُ لاَ يَبْقَى لِجَاحِمِهَا التَّخَيُّلُ وَالمِرَاحُ
١ - ذكره القرطبي في تفسيره ٢/٦٤..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى