البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الجحيم : إحدى طبقات النار، أعاذنا الله منها.
وقال الفراء : الجحيم : النار على النار.
وقال أبو عبيد : النار المستحكمة المتلظية.
وقال الزجاج : النار الشديدة الوقود، يقال جحمت النار تجحم : اشتدّ وقودها.
وهذه كلها أقوال يقرب بعضها من بعض.
وقال ابن فارس : الجاحم : المكان الشديد الحر، ويقال لعين الأسد : جحمة، لشدة توقدها، ويقال لشدة الحر : جاحم، قال :
﴿إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً﴾ : بشيراً لمن آمن، ونذيراً لمن كفر.
وهذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ، فإنه كان يضيق صدره لتماديهم على ضلالهم.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما ذكر أنه بين الآيات، ذكر من بينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه ﷺ ليعلم أنه هو صاحب الآيات فقال :﴿إنا أرسلناك بالحق﴾، أي بالآيات الواضحة، وفسر الحق هنا بالصدق وبالقرآن وبالإسلام.
وبالحق في موضع الحال، أي أرسلناك ومعك الحق لا يزايلك.
وانتصاب بشيراً ونذيراً على الحال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالاً من الحق، لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضاً بالبشارة والنذارة.
والأظهر الأول.
وعدل إلى فعيل للمبالغة، لأن فعيلاً من صفات السجايا، والعدل في بشير للمبالغة، مقيس عند سيبويه، إذا جعلناه من بشر لأنهم قالوا بشر مخففاً، وليس مقيساً في نذير لأنه من أنذر، ولعل محسن العدل فيه كونه معطوفاً على ما يجوز ذلك فيه، لأنه قد يسوغ في الكلمة مع الاجتماع مع ما يقابلها ما لا يسوغ فيها لو انفردت، كما قالوا : أخذه ما قدم وما حدث وشبهه.
﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ : قراءة الجمهور : بضم التاء واللام.
وقرأ أبي : وما تسأل.
وقرأ ابن مسعود : ولن تسأل، وهذا كله خبر.
فالقراءة الأولى، وقراءة أبي يحتمل أن تكون الجملة مستأنفة، وهو الأظهر، ويحتمل أن تكون في موضع الحال.
وأما قراءة ابن مسعود فيتعين فيها الاستئناف، والمعنى على الاستئناف أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس إليك، ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ ﴿إنما أنت منذر﴾ وفي ذلك تسلية له ﷺ، وتخفيف ما كان يجده من عنادهم، فكأنه قيل : لست مسؤولاً عنهم، فلا يحزنك كفرهم.
وفي ذلك دليل على أن أحداً لا يسأل عن ذنب أحد، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وأما الحال فعطف على ما قبلها من الحال، أي وغير مسؤول عن الكفار ما لهم لا يؤمنون، فيكون قيداً في الإرسال، بخلاف الاستئناف.
وقرأ نافع ويعقوب : ولا تسأل، بفتح التاء وجزم اللام، وذلك على النهي، وظاهره : أنه نهى حقيقة، نهى ﷺ أن يسأل عن أحوال الكفار.
قال محمد بن كعب القرظي : قال النبي ﷺ :« ليت شعري ما فعل أبواي » فنزلت، واستبعد في المنتخب هذا، لأنه عالم بما آل إليه أمرهما.
وقد ذكر عياض أنهما أحييا له فأسلما.
وقد صح أن الله أذن له في زيارتهما، واستبعد أيضاً ذلك، لأن سياق الكلام يدل على أن ذلك عائد على اليهود والنصارى ومشركي العرب، الذين جحدوا نبوّته، وكفروا عناداً، وأصروا على كفرهم.
وكذلك جاء بعده :﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى﴾ إلا إن كان ذلك على سبيل الانقطاع من الكلام الأول، ويكون من تلوين الخطاب وهو بعيد.
وقيل : يحتمل أن لا يكون نهياً حقيقة، بل جاء ذلك على سبيل تعظيم ما وقع فيه أهل الكفر من العذاب، كما تقول : كيف حال فلان، إذا كان قد وقع في بلية، فيقال لك : لا تسأل عنه.
ووجه التعظيم : أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما ذلك الشخص فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، فيكون معنى التعظيم : إما بالنسبة إلى المجيب، وإما بالنسبة إلى المجاب، ولا يراد بذلك حقيقة النهي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة الإخبار عن مجاوزة الحد في الظلم ممن عطل بيوت الله من الذكر وسعي في خرابها، مع أنها من حيث هي منسوبة إلى الله، وهي محالّ ذكره وإيواء عباده الصالحين، كان ينبغي أن لا يدخلوها إلا وهم وجلون خائفون، متذكرون لمن بنيت، ولما يذكر فيها.
ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان.
وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.
ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون.
ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له.
ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارئ لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية.
وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها.
ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت.
ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء.
ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله.
وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.
ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه.
ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة :
وقال الفراء : الجحيم : النار على النار.
وقال أبو عبيد : النار المستحكمة المتلظية.
وقال الزجاج : النار الشديدة الوقود، يقال جحمت النار تجحم : اشتدّ وقودها.
وهذه كلها أقوال يقرب بعضها من بعض.
وقال ابن فارس : الجاحم : المكان الشديد الحر، ويقال لعين الأسد : جحمة، لشدة توقدها، ويقال لشدة الحر : جاحم، قال :
| والحرب لا يبقى لجا | حمها التخيل والمراح |
وهذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ، فإنه كان يضيق صدره لتماديهم على ضلالهم.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما ذكر أنه بين الآيات، ذكر من بينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه ﷺ ليعلم أنه هو صاحب الآيات فقال :﴿إنا أرسلناك بالحق﴾، أي بالآيات الواضحة، وفسر الحق هنا بالصدق وبالقرآن وبالإسلام.
وبالحق في موضع الحال، أي أرسلناك ومعك الحق لا يزايلك.
وانتصاب بشيراً ونذيراً على الحال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالاً من الحق، لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضاً بالبشارة والنذارة.
والأظهر الأول.
وعدل إلى فعيل للمبالغة، لأن فعيلاً من صفات السجايا، والعدل في بشير للمبالغة، مقيس عند سيبويه، إذا جعلناه من بشر لأنهم قالوا بشر مخففاً، وليس مقيساً في نذير لأنه من أنذر، ولعل محسن العدل فيه كونه معطوفاً على ما يجوز ذلك فيه، لأنه قد يسوغ في الكلمة مع الاجتماع مع ما يقابلها ما لا يسوغ فيها لو انفردت، كما قالوا : أخذه ما قدم وما حدث وشبهه.
﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ : قراءة الجمهور : بضم التاء واللام.
وقرأ أبي : وما تسأل.
وقرأ ابن مسعود : ولن تسأل، وهذا كله خبر.
فالقراءة الأولى، وقراءة أبي يحتمل أن تكون الجملة مستأنفة، وهو الأظهر، ويحتمل أن تكون في موضع الحال.
وأما قراءة ابن مسعود فيتعين فيها الاستئناف، والمعنى على الاستئناف أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس إليك، ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ ﴿إنما أنت منذر﴾ وفي ذلك تسلية له ﷺ، وتخفيف ما كان يجده من عنادهم، فكأنه قيل : لست مسؤولاً عنهم، فلا يحزنك كفرهم.
وفي ذلك دليل على أن أحداً لا يسأل عن ذنب أحد، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وأما الحال فعطف على ما قبلها من الحال، أي وغير مسؤول عن الكفار ما لهم لا يؤمنون، فيكون قيداً في الإرسال، بخلاف الاستئناف.
وقرأ نافع ويعقوب : ولا تسأل، بفتح التاء وجزم اللام، وذلك على النهي، وظاهره : أنه نهى حقيقة، نهى ﷺ أن يسأل عن أحوال الكفار.
قال محمد بن كعب القرظي : قال النبي ﷺ :« ليت شعري ما فعل أبواي » فنزلت، واستبعد في المنتخب هذا، لأنه عالم بما آل إليه أمرهما.
وقد ذكر عياض أنهما أحييا له فأسلما.
وقد صح أن الله أذن له في زيارتهما، واستبعد أيضاً ذلك، لأن سياق الكلام يدل على أن ذلك عائد على اليهود والنصارى ومشركي العرب، الذين جحدوا نبوّته، وكفروا عناداً، وأصروا على كفرهم.
وكذلك جاء بعده :﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى﴾ إلا إن كان ذلك على سبيل الانقطاع من الكلام الأول، ويكون من تلوين الخطاب وهو بعيد.
وقيل : يحتمل أن لا يكون نهياً حقيقة، بل جاء ذلك على سبيل تعظيم ما وقع فيه أهل الكفر من العذاب، كما تقول : كيف حال فلان، إذا كان قد وقع في بلية، فيقال لك : لا تسأل عنه.
ووجه التعظيم : أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما ذلك الشخص فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، فيكون معنى التعظيم : إما بالنسبة إلى المجيب، وإما بالنسبة إلى المجاب، ولا يراد بذلك حقيقة النهي.
ثم أخبر أن لأولئك الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ثم ذكر أن له تعالى المشرق والمغرب، فيندرج في ذلك المساجد، وأي جهة قصدتموها فالله تعالى حاويها ومالكها، فليس مختصاً بحيز ولا مكان.
وختم هذه الجملة بالوسع المنافي لوسع المقادير، وبالعلم الذي هو دليل الإحاطة.
ثم أخبر عنهم بأفظع مقالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، ونزه ذاته المقدسة عن ذلك، وأخبر أن جميع من في السموات والأرض ملك له، خاضعون طائعون.
ثم ذكر بداعة السموات والأرض، وأنها مخلوقة على غير مثال، فكما أنه لا مثال لهما، فكذلك الفاعل لهما، لا مثال له.
ففي ذلك إشارة إلى أنه يمتنع الولد، إذ لو كان له ولد لكان من جنسه، والبارئ لا شيء يشبهه، فلا ولد له، ثم ذكر أنه متى تعلقت إرادته بما يريد أن يحدثه، فلا تأخر له، وفيه إشارة أيضاً إلى نفي الولد، لأنه لا يكون إلا عن توالد، ويقتضي إلى تعاقب أزمان، تعالى الله عن ذلك، ثم ذكر نوعاً من مقالاتهم التي تعنتوا بها أنبياء الله، من طلب كلامه ومشافهته إياهم، أو نزول آية.
وقد نزلت آيات كثيرة، فلم يصغوا إليها، وأن هذه المقالة اقتفوا بها آثار من تقدمهم، وأن أهواءهم متماثلة في تعنت الأنبياء، وأنه تعالى قد بين الآيات وأوضحها، لكن لمن له فكر فهو يوقن بصحتها ويؤمن بها.
ثم ذكر تعالى أنه أرسله بشيراً لمن آمن بالنعيم في الآخرة والظفر في الدنيا، ونذيراً لمن كفر بعكس ذلك، وأن لا تهتم بمن ختم له بالشقاوة، فكان من أهل النار، ولا تغتم بعدم إيمانه، فقد أبلغت وأعذرت.
ثم ذكر ما عليه اليهود والنصارى من شدة تعاميهم عن الحق، بأنهم لا يرضون عنك حتى تخالف ما جاءك من الهدى الذي هو هدى الله، إلى ما هم عليه من ملة الكفر واتباع الأهواء.
ثم أخبر أن متبع أهوائهم بعد وضوح ما وافاه من الدين والإسلام، لا أحد ينصره ولا يمنعه من عذاب الله.
وأن الذين آتاهم الكتاب واصطفاهم له يتبعون الكتاب، ويتتبعون معانيه، فهم مصدقون بما تضمنه مما غاب عنهم علمه، ولم يحصل لهم استفادته إلا منه، من خبر ماض أو آت، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأن من كفر به حق عليه الخسران.
ثم ختم هذه الآيات بأمر بني إسرائيل بذكر نعمه السابقة، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، وكان ثالث نداء نودي به بنو إسرائيل، بالإضافة إلى أبيهم الأعلى، وتشريفهم بولادتهم منه.
ثم أعرض في معظم القرآن عن ندائهم بهذا الاسم، وطمس ما كان لهم من نور هذا الوسم، والثلاث هي مبدأ الكثرة، وقد اهتم بك من نبهك وناداك مرة ومرة ومرة :
| لقد أسمعت لو ناديت حياً | ولكن لا حياة لمن تنادي |