كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ؛ وذلك أنَّهم كانوا يسألونَ النَّبيَّ ﷺ الهدنةَ ويطمِّعونه في أن يتَّبعوه إنْ هادنَهم، فأنزلَ اللهُ هذه الآية. وقيل : كان النَّبيُّ ﷺ حريصاً على طلب رضَاهُمْ طمعاً في أنْ يرجِعوا إلى الحقِّ. وَقِيْلَ : كانوا يطلُبون من النَّبيِّ ﷺ الْمُسَالَمَةَ ويطمِّعونه في أنَّهُ إنْ هادنَهم أسلَمُوا ؛ فأمرَ اللهُ النَّبيَّ ﷺ أن لا يطيعَهم ما طلبوا مِن الهدنةِ، وأخبرَ أنَّهم لا يرضون عنهُ بذلك، وهم يهودُ أهل المدينة ونصارى نَجْرَانَ.
قال ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :((هَذَا فِي الْقِبْلَةِ ؛ وَذَلِكَ أنَّ يَهُودَ الْمَدِيْنَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُواْ يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبيُّ ﷺ إلَى قِبْلَتِهِمْ ؛ فَلَمَّا صَرَفَ اللهُ تَعَالَى الْقِبْلَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ ؛ شُقَّ عَلَيْهِمْ وَآيَسُواْ مِنْهُ أنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى دِيْنِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أي دِينَهم، وقِبلتهم بيتُ المقدسِ)).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ ؛ أي الصراطَ الذي دعا الله إليه ؛ وهو الذي أنتَ عليه هو صراطُ الحقِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ أي إنِ اتبعتَ ملَّتهم وصلَّيتَ إلى قِبلتهم، ﴿بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ؛ أي بعدما ظهرَ لك أنَّ دينَ الله الإسلامُ ؛ وأنَّ القبلةَ قد حُوِّلت إلى الكعبةِ، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ؛ أي مَا لكَ من اللهِ من ولِيٍّ ينفعُكَ ويحفظُكَ عن عقابهِ، ولا نصيرَ يدفعُ مضرَّة عقابهِ عنكَ. وهذا خطابٌ للنبيِّ ﷺ والمرادُ به عامَّةُ الناسِ ؛ مِثْلُ قَولهِ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزمر: ٦٥]. وقد عَلِمَ اللهُ أنه لا يشرِكُ ؛ وهذا كما يقال في المثلِ :(إيَّاكِ أعْنِي فَاسْمَعِي يَا جَارَةُ).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى