فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَلَن ترضى عَنكَ اليهود﴾ الآية، أي : ليس غرضهم، ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويوردونه من التعنتات، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون، وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم، والملة : اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه، وهكذا الشريعة، ثم ردّ عليهم سبحانه، فأمره بأن يقول لهم :﴿إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ الحقيقي، لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة، والكتب المحرّفة ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول الله ﷺ إن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم. ويحتمل أن يكون تعريضاً لأمته، وتحذيراً لهم أن يوافقوا شيئاً من ذلك، أو يدخلوا في أهوية أهل الملل، ويطلبوا رضا أهل البدع.
وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدِّهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما ؛ فإن غالب هؤلاء، وإن أظهر قبولاً، وأبان من أخلاقه ليناً لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه، وسنّة رسوله، لا ماهم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة، ورأي منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ما له من الله من وليّ، ولا نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك، ولا شبهة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن محمد بن كعب القرظي، قال : قال رسول الله ﷺ :«ليت شعري ما فعل أبواي» فنزل :﴿إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم﴾ فما ذكرهما حتى توفاه الله. قال السيوطي : هذا مرسل ضعيف الإسناد، ثم رواه من طريق ابن جرير، عن داود بن أبي عاصم مرفوعاً، وقال : هو معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به، ولا بالذي قبله حجة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال :﴿الجحيم﴾ ما عظم من النار. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال : إن يهود المدينة، ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي ﷺ إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك عليهم، وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم. فأنزل الله :﴿وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى﴾ الآية. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله :﴿الذين ءاتيناهم الكتاب﴾ قال : هم اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله :﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال : يحلون حلاله، ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه. وأخرجوا عنه أيضاً قال : يتبعونه حق اتباعه، ثم قرءوا :﴿والقمر إِذَا تلاها﴾ [الشمس: ٢] يقول اتبعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب، قال في قوله :﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ إذا مرَّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرّ بذكر النار تعوَّذ بالله من النار. وأخرج الخطيب في كتاب الرواة بسند فيه مجاهيل، عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله :﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال :«يتبعونه حق اتباعه»، وكذا قال القرطبي في تفسيره : أن في إسناده مجاهيل، قال : لكن معناه صحيح، وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير من طرق، عن ابن مسعود في تفسيره هذه الآية مثل ما سبق عن ابن عباس في قوله :( يحلون حلاله ) إلى آخره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال : يتكلمون به كما أنزل، ولا يكتمونه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في هذه الآية قال : هم أصحاب محمد، ثم حكى نحو ذلك عن عمر بن الخطاب. وأخرج وكيع، وابن جرير عن الحسن في قوله :﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ قال : يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.
وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدِّهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما ؛ فإن غالب هؤلاء، وإن أظهر قبولاً، وأبان من أخلاقه ليناً لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه، وسنّة رسوله، لا ماهم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة، ورأي منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ما له من الله من وليّ، ولا نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك، ولا شبهة.