تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
أعيد نداء بني إسرائيل نداء التنبيه والإنذار والتذكير على طريقة التكرير في الغرض الذي سيق الكلام الماضي لأجله، فإنه ابتدأ نداءهم أولاً بمثل هاته الموعظة في ابتداء التذكير بأحوالهم الكثيرة خيرها وشرها عقب قوله: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ [البقرة: ٤٦] فذكر مثل هاته الجملة هناك كذكر المطلوب في صناعة المنطق قبل إقامة البرهان وذكرها هنا كذكر النتيجة في المنطق عقب البرهان تأييداً لما تقدم وفذلكة له وهو من ضروب رد العجز على الصدر.
وقد أعيدت هذه الآية بالألفاظ التي ذكرت بها هنالك للتنبيه على نكتة التكرير للتذكير ولم يخالف بين الآيتين إلا من الترتيب بين العدل والشفاعة فهنالك قدم ولا يقبل منها شفاعة [البقرة: ٤٨] وأخر ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ [البقرة: ٤٨] وهنا قدم ﴿ولا يقبل منها عدل﴾ وأخر لفظ الشفاعة مسنداً إليه ﴿تنفعها﴾ وهو تفنن والتفنن في الكلام تنتفي به سآمة الإعادة مع حصول المقصود من التكرير. وقد حصل مع التفنن نكتة لطيفة إذ جاءت الشفاعة في الآية السابقة مسنداً إليها المقبولية فقدمت على العدل بسبب نفي قبولها ونفي قبول الشفاعة لا يقتضي نفي أخذ الفداء فعطف نفي أخذ الفداء للاحتراس، وأما في هذه الآية فقدم الفداء لأنه أسند إليه المقبولية ونفي قبول الفداء لا يقتضي نفي نفع الشفاعة فعطف نفي نفع الشفاعة على نفي قبول الفداء للاحتراس أيضاً.
والحاصل أن الذي نفي عنه أن يكون مقبولاً قد جعل في الآيتين أولاً وذكر الآخر بعده. وأما نفي القبول مرة عن الشفاعة ومرة عن العدل فلأن أحوال الأقوام في طلب الفكاك عن الجناة تختلف، فمرة يقدمون الفداء فإذا لم يقبل قدموا الشفعاء، ومرة يقدمون الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء.
وقوله :﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ مراد منه أنه لا عدل فيقبل ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته لأن دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن الله له. قال ابن عرفة فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله :* على لا حب لا يهتدى بمناره *(١) يريد أنها كناية عن نفي الموصوف بنفي صفته الملازمة له كقولهم :* ولا ترى الضب بها ينجَحِر *(٢) وهو ما يعبر عنه المناطقة بأن السالبة تصدق مع نفي الموضوع وإنما يكون ذلك بطريق الكناية وأما أن يكون استعمالاً في أصل العربية فلا والمناطقة تبعوا فيه أساليب اليونان.
والقول في بقية الآيات مستغنى عنه بما تقدم في نظيرتها.
وهنا ختم الحجاج مع أهل الكتاب في هذه السورة وذلك من براعة المقطع.
وقد أعيدت هذه الآية بالألفاظ التي ذكرت بها هنالك للتنبيه على نكتة التكرير للتذكير ولم يخالف بين الآيتين إلا من الترتيب بين العدل والشفاعة فهنالك قدم ولا يقبل منها شفاعة [البقرة: ٤٨] وأخر ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ [البقرة: ٤٨] وهنا قدم ﴿ولا يقبل منها عدل﴾ وأخر لفظ الشفاعة مسنداً إليه ﴿تنفعها﴾ وهو تفنن والتفنن في الكلام تنتفي به سآمة الإعادة مع حصول المقصود من التكرير. وقد حصل مع التفنن نكتة لطيفة إذ جاءت الشفاعة في الآية السابقة مسنداً إليها المقبولية فقدمت على العدل بسبب نفي قبولها ونفي قبول الشفاعة لا يقتضي نفي أخذ الفداء فعطف نفي أخذ الفداء للاحتراس، وأما في هذه الآية فقدم الفداء لأنه أسند إليه المقبولية ونفي قبول الفداء لا يقتضي نفي نفع الشفاعة فعطف نفي نفع الشفاعة على نفي قبول الفداء للاحتراس أيضاً.
والحاصل أن الذي نفي عنه أن يكون مقبولاً قد جعل في الآيتين أولاً وذكر الآخر بعده. وأما نفي القبول مرة عن الشفاعة ومرة عن العدل فلأن أحوال الأقوام في طلب الفكاك عن الجناة تختلف، فمرة يقدمون الفداء فإذا لم يقبل قدموا الشفعاء، ومرة يقدمون الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء.
وقوله :﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ مراد منه أنه لا عدل فيقبل ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته لأن دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن الله له. قال ابن عرفة فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله :* على لا حب لا يهتدى بمناره *(١) يريد أنها كناية عن نفي الموصوف بنفي صفته الملازمة له كقولهم :* ولا ترى الضب بها ينجَحِر *(٢) وهو ما يعبر عنه المناطقة بأن السالبة تصدق مع نفي الموضوع وإنما يكون ذلك بطريق الكناية وأما أن يكون استعمالاً في أصل العربية فلا والمناطقة تبعوا فيه أساليب اليونان.
والقول في بقية الآيات مستغنى عنه بما تقدم في نظيرتها.
وهنا ختم الحجاج مع أهل الكتاب في هذه السورة وذلك من براعة المقطع.
١ - قائله امرؤ القيس، وقبله:
الفرانق بضم الفاء وكسر النون هو الذي يدل صاحب البريد، وأزدرا أفعل تفضيل لغة في اصدرا قرئ بها قوله تعالى: ﴿يومئذ يصدر الناس أشتاتا﴾. واللاحب: الطريق الواسع. والمنار: العلامة. وساقه: شده. والديا منسوب إلى دياف- بكسر الدال- قرية تنيب لها كرام الإبل. وجرجرا: أي صوت. والمعنى أنه يعدانه إذا رجع ليعيدن السير في طريق صعبة المسالك. وفي شرح التفتزاني على المفتاح في باب الإيجاز والإطناب ذكر أول هذا البيت هكذا:
قال وهو في وصف ظليم وسدا بمعنى مد وهو مجاز عن السرعة. وأج الظليم إذا جرى وسمع له حفيف..
٢ - ينجحر أي يدخل جحره وهو بجيم ثم حاء. وقبل هذا المصراع قوله:
* لا تفزع الأرنب أهوالها * كذا في شرح التفتزاني على المفتاح في باب الإيجاز..
| وإني زعيم إن رجعت مملكا | بسير ترى منه الفرانق أذدرا |
| على لاحب إلخ............... | إذا ساقه العوذالديا جرجــــرا |
| سدا بيديه ثم أج بسيره | على لاحب........... إلخ |
٢ - ينجحر أي يدخل جحره وهو بجيم ثم حاء. وقبل هذا المصراع قوله:
* لا تفزع الأرنب أهوالها * كذا في شرح التفتزاني على المفتاح في باب الإيجاز..