جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد ﷺ خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا ﷺ يقول :«أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ».
حدثنا بذلك ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي : أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال «نعم، أنا دَعْوَةُ أبي إبْرَاهِيمَ، وبُشْرَى عِيسَى ﷺ ».
حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال : حدثنا أبو اليمان، قال : حدثنا أبو كريب، عن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، عن العرباض بن سارية السلمي، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إنّي عِنْدَ اللّهِ فِي أُمّ الكِتابِ خَاتِمُ النّبِيّينَ وَإِنّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِه، وَسَوْفَ أُنَبّئُكُمْ بِتَأوِيلِ ذَلِكَ : أنا دَعْوَة أبي إبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى قَوْمَه وَرُؤيا أُمي ».
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن وهب، قال : أخبرني معاوية، وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، قال : حدثني أبي، قال : حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، قالا جميعا، عن سعيد بن سويد، عن عبد الله بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية السلمي، عن النبيّ ﷺ بنحوه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية أنه قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر نحوه.
وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿رَبّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولاً من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿رَبنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ هو محمد ﷺ.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع :﴿رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمُ﴾ هو محمد ﷺ، فقيل له : قد استجيب ذلك، وهو في آخر الزمان. ويعني تعالى ذكره بقوله :﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَيُعَلّمهُم الكِتابَ وَالحِكْمَةَ﴾.


ويعني بالكتاب القرآن. وقد بينت فيما مضى لم سمي القرآن كتابا وما تأويله. وهو قول جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد :﴿ويعلمهم الكتاب﴾ : القرآن.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال بعضهم : هي السنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، ﴿والحكمة﴾ : أي السنة.
وقال بعضهم : الحكمة هي المعرفة بالدين والفقه فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَالحكْمَةَ قال : الحكمة : الدين الذي لا يعرفونه إلا به ﷺ يعلمهم إياها. قال : والحكمة : العقل في الدين وقرأ :﴿وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرا كَثِيرا﴾. وقال لعيسى :
﴿وَيُعَلّمُهُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ والإنجيل﴾. قال : وقرأ ابن زيد :﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبأ الّذِي آتَيْنَاهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنْهَا﴾. قال : لم ينتفع بالآيات حيث لم تكن معها حكمة. قال : والحكمة شيء يجعله الله في القلب ينوّر له به.
والصواب من القول عندنا في الحكمة، أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول ﷺ والمعرفة بها، وما دلّ عليه ذلك من نظائره. وهو عندي مأخوذ من «الحُكْمِ » الذي بمعنى الفصل بين الحقّ والباطل بمنزلة «الجِلسة والقِعدة » من «الجلوس والقعود »، يقال منه : إن فلانا لحكيم بيّنُ الحكمة، يعني به أنه لبيّن الإصابة في القول والفعل. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية : ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل قضائك، وأحكامك التي تعلمه إياها.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾.


قد دللنا فيما مضى قَبْلُ على أن معنى التزكية : التطهير، وأن معنى الزكاة : النماء والزيادة. فمعنى قوله :﴿ويُزكيهِمْ﴾ في هذا الموضع : ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله. كما :
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُزَكّيهِمْ﴾ قال : يعني بالزكاة، طاعة الله والإخلاص.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، قال : قال ابن جريج : قوله :﴿وَيُزَكّيهِمْ﴾ قال : يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.


يعني تعالى ذكره بذلك : إنك يا ربّ أنت العزيز القويّ الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك. والحكيم : الذي لا يدخل تدبيره خَلَلٌ ولا زَلَلٌ، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى