الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي يترك دينه وشريعته.
يقال : رغب في الشيء إذا أردته ورغبت عنه إذا تركته.
وأصل الرّغبة : رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال : رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه، والأصل فيه الكرة فمعنى قوله تعالى ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي يرفع همّته عنها ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
قال ابن عبّاس : حيّر نفسه.
حيّان عن الكلبي : ظلّ من [ جهة ] نفسه.
أبو روق : عجَّز رأيه عن نفسه.
يمان : حمق رأيه، ونفسه منصوب في هذه الأقاويل بنزع حرف الصّفة.
وقال الفرّاء : نصب على التفسير، والأصل : سفهت نفسه فلمّا أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس مفسَّرة ليعلم موضع السفه كما يقال : ضقت به ذرعاً معناه : ضاق ذرعي به، ويقال : ألم زيدُ رأسه ووجع بطنه.
وقال أبو عبيدة : سفه نفسه : أي أوبق نفسه وأهلكها.
هشام وابن كيسان : جهل نفسه.
وحكى المفضّل بن سلمة عن بعضهم سفه. حقّر نفسه.
والنفس على هذه الأقوال نصب لوقوع الفعل عليه وهذا كما جاء في الخبر :" من عرف نفسه فقد عرف ربّه ".
وأصل السفه والسفاهة : الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اخترناه ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ وأصل الطاء فيه تاء حوّلت طاء لقرب مخرجيها ولتطوع اللسان به. ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الفائزين. قال الزجّاج وقال ابن عبّاس : يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة بيانه قوله : خطابه عن يوسف ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد إصطفيناه في الدنياّ والأخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى