الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾ إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم. و ﴿مَن سَفِهَ﴾ في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب، وصحّ البدل لأنّ من يرغب غير موجب، كقولك : هل جاءك أحد إلا زيد ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ امتهنها واستخف بها. وأصل السفه : الخفة. ومنه زمام سفيه. وقيل : انتصاب النفس على التمييز، نحو : غبن رأيه وألم رأسه. ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله :
وَلاَ بِفَزَارَةَ الشُّعُرِ الرِّقَابَا ***
أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ ***
وقيل معناه : سفه في نفسه، فحذف الجار، كقولهم : زيد ظني مقيم، أي في ظني. والوجه هو الأوّل. وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث :« الكبر أن تَسَفِّهَ الحق وتغمص الناس » وذلك أنه إذا رغب عمَّا لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها، حيث خالف بها كل نفس عاقبة ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه﴾ بيان لخطأِ رأي من رغب عن ملته، لأنّ من جمع الكرامة عند الله في الدارين، بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا وكان مشهوداً له بالاستقامة على الخير في الآخرة، لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى